غياب مجتبى خامنئي وصعود الحرس الثوري.. إيران أمام إعادة تشكيل للسلطة

العالم - منذ ساعة و 35 دقيقة
طهران، نيوزيمن:

تقف إيران أمام واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية، في ظل تزامن ثلاثة مشاهد متشابكة: رحيل المرشد السابق علي خامنئي، غياب خليفته مجتبى خامنئي عن الظهور العلني، والتصعيد العسكري غير المسبوق مع الولايات المتحدة وإسرائيل الذي نقل المواجهة إلى مستوى أكثر خطورة.

وبينما كانت مراسم تشييع المرشد الإيراني الراحل تُقام في مدن إيرانية وعراقية، ظل المرشد الجديد بعيداً عن الأنظار، في وقت تتزايد فيه التساؤلات حول طبيعة المرحلة الانتقالية داخل النظام، وحول الجهة التي تدير القرار السياسي والعسكري في ظل الحرب والضغوط الخارجية المتصاعدة.

وتشير قراءات سياسية وعسكرية إلى أن غياب مجتبى خامنئي لم يعد مجرد مسألة أمنية مرتبطة بعدم الظهور، بل تحول إلى مؤشر على إعادة ترتيب واسعة لمراكز النفوذ داخل النظام الإيراني، مع بروز دور الحرس الثوري باعتباره الطرف الأكثر حضوراً في إدارة الملفات الاستراتيجية.

وقال الخبير في الشؤون السياسية والعسكرية مهند العزاوي، في حديث لبرنامج "التاسعة" على "سكاي نيوز عربية"، إن إيران تمر بمرحلة "تحول في الخيارات والمسارات"، مؤكداً أن طبيعة المواجهة الحالية تجاوزت الحسابات العسكرية التقليدية، لتصل إلى إعادة تشكيل موازين القوى داخل المنطقة.

وأوضح العزاوي أن الولايات المتحدة باتت تنظر إلى مضيق هرمز باعتباره ملفاً مرتبطاً بالأمن الاقتصادي العالمي، وليس مجرد نقطة جغرافية في صراع إقليمي، مشيراً إلى أن واشنطن اتخذت خطوات عسكرية واسعة لحماية حركة الملاحة بعد تعرض سفن تجارية وحلفاء لهجمات.

وأضاف أن القوات الأميركية نفذت خلال فترة قصيرة نحو 170 عملية، وأنها ما زالت في حالة تأهب قصوى، بالتزامن مع استعدادات إسرائيلية لتنفيذ عمليات إضافية، في ظل تصريحات لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تحدث فيها عن "أمور جديدة" في الحرب وأن المواجهة لن تنتهي سريعاً.

ضربة للخطة الإيرانية البديلة

وفي قراءة للتحركات الإيرانية قبل التصعيد، كشف العزاوي أن طهران كانت قد وضعت خطة بديلة تحسباً لتعطل مضيق هرمز، تقوم على تعزيز دور ميناء تشابهار بالتعاون مع باكستان، بهدف ضمان استمرار حركة التجارة والإمدادات عبر خليج عُمان.

وأوضح أن هذا المشروع لم يكن وليد الأزمة الحالية، بل عملت عليه إيران لنحو عقد من الزمن ضمن محاولة لتقليل اعتمادها على مضيق هرمز الذي يمثل نقطة ضغط استراتيجية يمكن استخدامها ضدها في أي مواجهة.

لكن الضربات الأخيرة، بحسب العزاوي، استهدفت ميناء تشابهار بشكل مباشر، ما أدى إلى إجهاض هذا المسار وإرباك عملية إعادة التموضع العسكري التي نفذتها إيران خلال الأشهر الماضية، والتي تضمنت نقل وحدات وأنظمة أسلحة إلى مناطق قريبة من الساحل.

وأشار إلى أن الضربات لم تقتصر على المواقع العسكرية التقليدية، بل ركزت أيضاً على البنية التحتية اللوجستية، بما في ذلك خطوط النقل والسكك الحديدية، بهدف قطع طرق إمداد الأسلحة والطائرات المسيّرة القادمة من الشرق باتجاه مناطق العمليات.

ويرى العزاوي أن الولايات المتحدة انتقلت من مرحلة الردع التقليدي إلى استراتيجية تقوم على تعطيل قدرات الخصم قبل توسعها، مشيراً إلى أن الإدارة الأميركية لم تعد تتعامل مع التهديدات الإيرانية باعتبارها مجرد أوراق تفاوضية.

وأوضح أن هناك انقساماً داخل الإدارة الأميركية خلال الفترة الماضية بين تيار كان يدعو إلى إعطاء فرصة للمفاوضات، وتيار آخر رأى أن التجربة السابقة أثبتت أن الخطاب الإيراني خلال المفاوضات لا يعكس بالضرورة حقيقة نوايا طهران.

وأشار إلى أن الفريق الداعم للخيار العسكري استند إلى تقارير استخباراتية اعتبرت أن إيران كانت تستخدم المسار الدبلوماسي لكسب الوقت وإعادة ترتيب قدراتها العسكرية.

كما اعتبر أن تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الحادة تجاه القيادة الإيرانية تعكس وصول واشنطن إلى قناعة بأن فرص التفاهم السياسي أصبحت محدودة، وأن التعامل مع إيران بات يعتمد على الضغط المباشر.

الحرس الثوري في قلب المرحلة الجديدة

وفي الداخل الإيراني، تبرز مؤشرات متزايدة على توسع نفوذ الحرس الثوري في إدارة المرحلة الحالية، خصوصاً مع تراجع حضور المؤسسات المدنية والسياسية أمام صعود الأجهزة الأمنية والعسكرية.

ويقول العزاوي إن ما يظهر على السطح من غياب أو انقسامات داخل النظام لا يعكس بالضرورة طبيعة القرار الحقيقي، مؤكداً أن الحرس الثوري وفيلق القدس أصبحا الطرفين الأكثر تأثيراً في إدارة الحرب والملفات الإقليمية.

وأضاف أن شبكة الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران في العراق ولبنان واليمن تمثل امتداداً لنفوذ الحرس الثوري، وليس تعبيراً عن مؤسسات الدولة الإيرانية التقليدية.

وأشار إلى أن الجيش الإيراني يعاني من تراجع في الدور والتأثير مقارنة بالحرس الثوري، موضحاً أن أزمة الموارد والرواتب وعدم تكافؤ الدعم بين المؤسستين العسكرية والأمنية تعكس وجود انقسام داخلي عميق داخل منظومة القوة الإيرانية.

ولفت إلى أن الحديث عن هبوط طائرة إسناد في اليمن يحمل احتمالات مرتبطة بمحاولات إعادة تحريك جماعة الحوثيين ضمن استراتيجية الضغط الإقليمي التي تعتمدها طهران عبر حلفائها.

وزاد غياب مجتبى خامنئي عن جنازة والده من حالة الجدل داخل إيران وخارجها، خصوصاً أنه لم يظهر منذ اختياره مرشداً جديداً للنظام.

وتشير تقارير إعلامية إلى أن مجتبى خامنئي ربما تعرض لإصابات خلال الضربة التي أودت بحياة والده ووالدته وزوجته، الأمر الذي دفعه إلى الاختفاء لأسباب أمنية، فيما تؤكد السلطات الإيرانية أنه يمارس مهامه بصورة طبيعية.

غير أن استمرار غيابه عن المناسبات العامة أثار تساؤلات بشأن طبيعة دوره الحقيقي، وما إذا كان يدير السلطة بشكل مباشر أم أن القرار انتقل إلى دائرة أوسع تضم قادة الحرس الثوري والمجلس الأعلى للأمن القومي والأجهزة الاستخباراتية.

ويرى مراقبون أن تعيين مجتبى خامنئي جاء في ظروف استثنائية لم تمر عبر المسار التقليدي المعروف داخل مؤسسات النظام، ما جعل شرعيته الداخلية محل نقاش، خصوصاً في ظل الانتقادات التي تتحدث عن دور الحرس الثوري في ترجيح كفة اختياره.

الضغط الخارجي والتصدع الداخلي

ويؤكد العزاوي أن إيران تعيش واحدة من أضعف مراحلها منذ عقود، مع تراجع قدراتها العسكرية التقليدية واعتمادها بصورة أكبر على وسائل غير متماثلة مثل المسيّرات والزوارق الهجومية.

وحذر من أن استمرار تعامل بعض الأطراف الإقليمية مع إيران وفق صورتها السابقة قد يؤدي إلى سوء تقدير لطبيعة التحولات الجارية داخل النظام.

وأشار إلى أن التحدي الإيراني لا يرتبط فقط بالمواجهة الخارجية، بل يمتد إلى الداخل، حيث تتزايد مظاهر الانقسام بين المعارضة السياسية، والحركات الاحتجاجية، والمعارضات المسلحة في بعض المناطق، إضافة إلى تراجع دعم قطاعات اقتصادية كانت تاريخياً داعمة للنظام مثل طبقة التجار في البازار.

ورغم تصاعد الحديث عن هيمنة الحرس الثوري، استبعد العزاوي إمكانية حدوث انقلاب عسكري مباشر، معتبراً أن طبيعة المجتمع الإيراني وتعدد مراكز القوة تجعل هذا السيناريو صعب التنفيذ.

لكنه أكد أن المرحلة المقبلة ستشهد إعادة توزيع للنفوذ داخل النظام، بحيث تصبح المؤسسات العسكرية والأمنية أكثر تأثيراً في القرار، بينما تتراجع مساحة المؤسسات المدنية.

وفي ظل استمرار التصعيد مع الولايات المتحدة وإسرائيل، تبدو إيران أمام اختبار مصيري لا يتعلق فقط بقدرتها على مواجهة الضغوط الخارجية، بل بقدرتها على الحفاظ على تماسك النظام نفسه، في وقت أصبح فيه غياب المرشد الجديد رمزاً لأزمة أوسع تتعلق بمستقبل القيادة وموازين القوة داخل الجمهورية الإسلامية.