الموجز

الدكتور حمود العودي في نقاش جديد عن: التنوع الفكري والمذهبي بين التعددية الإيجابية والتمييز السلبي - 2

@ السياسية

2019-06-27 01:26:13

اقرأ الحلقة الأولى:  

مروا من اليمن.. علي ومعاوية والشوكاني وعبدالفتاح إسماعيل وأسامة بن لادن

ثانياً: المذاهب الدينية بين التمييز الإيجابي والتمييز السلبي

انطلاقاً من يقين قاعدة أن لكل أشكال التنوع والتعدد المكاني والثقافي الإيجابي استثناءً يمكن أن يجعل منه تفرقة وتمييزاً سلبياً، فإن اليمن ليس مستثنى من هذه المعادلة بقاعدتها واستثنائها، أو بمتغيرها الإيجابي والسلبي.

وإذا كانت الحلقة الأولى (التنوع والتعدد الإيجابي فكرياً) قد تناولت ما هو إيجابي وما ينبغي أن يكون، فسوف نركز في هذا البند على ما هو تفرقة وتمييز سلبي، وما لا يتوافق مع منطق الزمان ولا المكان ولا العقل أو الواقع إلا كمجرد إشباع للدوافع الأيديولوجية والنزوات الذاتية المريضة، بدءاً بتاريخ الصراعات المذهبية السياسية تحت المظلة الدينية للزيدية والإسماعيلية والقرامطة، أو الزيدية والشافعية، أو الشافعية والإسماعيلية، أو السنة والشيعة عموماً، مروراً بالصراعات الدموية لتيارات الحداثة القومية والدينية، من ناصرية وبعثية وماركسية واشتراكية وسلفية ووهابية... الخ.

وبالرغم من أن اليمن قد تميز بالتنوع والتعدد المذهبي الديني والفكري على نحو ما سبق، إلا أن أشكال التمييز الاجتماعي السلبي الناجم عن ذلك، والذي بالرغم من أنه لا مجال لإنكار وجوده، إلا أنه لم يتجاوز في الغالب الأعم حدود الرأي والرأي الآخر، واستحسان كل لما يأخذ به من المذهب فكراً وسلوكاً، وعدم استحسان الآخر أو تفضيله، استناداً إلى فكرة أن الأفضل هو ما يعتقده أو يؤمن به دونما تجاوز في ذلك قط إلى حدود الاعتقاد بخطأ أو فساد فكر أو مذهب الآخر ورفض التعايش معه أو تكفيره وممارسة القطيعة الدينية والاجتماعية معه بأي حال من الأحوال، على غرار ما حدث ويحدث لنفس فرق وتجمعات هذه المذاهب الفكرية والدينية في بلدان عربية وإسلامية أخرى يصل إلى حد التمييز الاجتماعي في أماكن العبادات والمعاملات وطعن الآخر بالكفر أحياناً والصراع الدموي أحياناً أخرى.

فاليمنيون كأي مجتمع عربي مسلم لديهم مذاهبهم وخلافاتهم المذهبية الدينية، لكنه قد ظل عبر التاريخ ولم يزل هو خلاف التنوع والتمييز الإيجابي وليس اختلاف التمييز والتناحر السلبي، إلا في الحالات النادرة وحينما يتم التوظيف المقصود والمغرض للدين في عمليات الصراع السياسي، فكثيراً ما دأب أطراف الصراع السياسي على توظيف المذاهب الدينية والدين بصفة عامة في آلية الصراع السياسي من أجل الوصول إلى السلطة أو المحافظة عليها في وجه الخصوم سياسياً وعسكرياً، لكنَّ أياً من هذه المحاولات الكثيرة لم تنجح في تحويل الخلافات المذهبية والفكرية الدينية من آلية للتميز الفكري والسياسي والديني الإيجابي إلى عقيدة للتفرقة والتمييز الاجتماعي والصراعات الطائفية السلبية.

فلقد اختلف اليمنيون وتصارعوا بل وتقاتلوا سياسياً ومناطقياً وقبلياً وحزبياً وعائلياً وفردياً وجماعياً لأسباب سياسية واجتماعية لا حصر لها، بل وشخصية تافهة في كثير من الأحيان، وما يزالون يفعلون ذلك، وتشكل مثل هذه الصراعات سمة سلبية بارزة من سمات المجتمع اليمني وظاهرة بارزة من ظواهر عدم الاستقرار السياسي تاريخياً، وكل ذلك لأسباب موضوعية تتعلق بظروف المكان وطبيعة مصادر العيش غير المستقر فيه.

إلا أنهم لم يتمايزوا أو يتقاطعوا عن بعضهم أو يتقاتلوا مع بعضهم البعض لأسباب اجتماعية دينية طائفية أو مذهبية أو عقائدية فردية أو جماعية، ما يعني خلاصته أن التنوع والتعدد المذهبي والفكري الديني في اليمن يعد تميزاً اجتماعياً إيجابياً أكثر منه تفرقة وتمييزاً سلبياً إلا حينما يختلط بالسياسة وفي حالات غير قابلة للتجذر والديمومة الاجتماعية خارج الإطار السياسي الذي يقوم بتوظيفها والانتفاع بها، لكنها تنتهي وتتغير بتغيره وتزول بزواله وتدور معه حيث دار وجوداً وعدماً، وتجربة الإمامة التي وظفت الدين خطأً من أجل إثبات الحق الإلهي في السلطة والثروة من دون الناس أكثر من غيرها خير دليل على ذلك، وما أشبه اليوم بالبارحة فيما يجري من محاولات توظيف الدين لخدمة السياسة من أجل إلغاء الآخر واستعادة التوريث القديم أو تأسيس توريث جديد، والعاقل من اتعظ بغيره، وما أكثر العبر وما أقل الاعتبار.