الحجرية: صراع الإخوان مع اللواء 35 مدرع وحاضنته الجماهيرية.. "القصة الكاملة" (1-2)

@ نيوزيمن، كتب/ أحمد شوقي أحمد: تقارير

2020-07-14 00:23:50

احتدم الجدل في الآونة الأخيرة، بشأن الاحتقان العسكري الشعبي في مدينة التربة، أهم حواضر مديريات الحجرية الإحدى عشرة، ورغم انسحاب جزء من قوات الشرطة العسكرية من المنطقة، فإن مصادر عسكرية وأخرى ميدانية رصدت خلال الأيام الثلاثة الماضية عدداً من التسللات الفردية وما قيل إنها تحركات مشبوهة لأفراد يتوقع أنهم مقاتلون تابعون لقوات الحشد الشعبي ومجاميع تابعة لحزب الإصلاح، الذراع العسكرية والسياسية لجماعة الإخوان المسلمين في اليمن.

إطلالة على التطورات الأخيرة في الحجرية:

اشتداد التوتر والاحتقان في الحجرية الأسبوع الماضي، بدأ عقب انطلاق عشرات العربات العسكرية التابعة ظاهرياً للشرطة العسكرية بمحور تعز لما قيل إنها ملاحقة لمطلوب أمني، قبل أن ينكشف الغبار الذي خلفته تلك الحملة عن سيطرة مجاميع تابعة لما يسمى بالحشد الشعبي المدعومة قطرياً المحسوبة على الشيخ حمود المخلافي، إضافة إلى مجاميع مسلحة تابعة للواء الرابع مشاه جبلي بالسيطرة على جبل صبران الاستراتيجي، وهو موقع عسكري كان تابعاً للواء 35 مدرع، قبل أن يسلمه الضابط المسؤول مقابل مبلغ من المال.

قوات الشرطة العسكرية التي مثلت الغطاء الرسمي لهذه العملية، تعهدت بمغادرة المنطقة بعد انتفاء حجة المطلوب الأمني، والضجة العارمة التي أحدثها هذا الاقتحام غير البريء بقوة عسكرية ضخمة، وقد أسفرت عن صدامات محدودة احتدمت بين الأهالي والقوات الوافدة، التي أطلقت النار بصورة عشوائية استهدفت القرى والمناطق السكنية وأسفرت عن أضرار في المنازل والممتلكات وسقوط عدد من الجرحى أحدهم في حالة خطرة.

وسائل إعلام جماعة الإخوان، إضافة إلى تصريحات الجهات الرسمية المحسوبة على الجماعة بمحافظة تعز، إضافة لقيادات سياسية بالتجمع اليمني للإصلاح بتعز، الأداة السياسية والتنظيمية لجماعة الإخوان في اليمن، كلها بررت ما حدث بأنه عمل أمني يهدف إلى تثبيت الأمن والاستقرار في مدينة التربة وريف الحجرية جنوب مدينة تعز.

لكن تصاعدت الانتقادات الشعبية والسياسية والإعلامية لجماعة الإخوان، فضلاً عن السخرية والتهكم من تبريراتها وادعاءاتها بخصوص فرض الأمن والاستقرار في ريف الحجرية الجنوبي الذي حظي باستقرار أمني عالٍ مقارنةً بالمدينة، في ظل سيطرة اللواء 35 مدرع، وقوات الأمن العام ولواء القوات الخاصة على المديريات المحررة بالحجرية، فضلاً عن تعجب البعض من حجم القوة العسكرية الكبيرة التي اجتاحت مدينة التربة، بحثاً عن مطلوب أمني بموازاة فشلها وتقاعسها عن ملاحقة عشرات المطلوبين الذين يثيرون الفوضى في مدينة تعز على مدى 5 سنوات مضت.

السخط والانتقادات الشعبية اللاذعة لهذه التحركات، جعلت من حُجة المطلوب الأمني، غير مقنعة، خصوصاً وأن هناك لواءً عسكرياً ضخماً يسيطر على المنطقة هو اللواء 35 مدرع، إضافة إلى لواء أمني مجهز تجهيزاً جيداً، هو لواء القوات الخاصة الذي يقوده العميد جميل عقلان، إضافةً إلى قوات الأمن العام، وهو ما يعني أن تجاوز الشرطة العسكرية لصلاحيات الجهات المذكورة، بل وإسناد مجاميع قبلية ومليشاوية غير رسمية لإسقاط مواقع تابعة للواء 35 مدرع، وبسط سيطرة هذه المجاميع على هذه المواقع في جبل صبران والراهش، أمور تنبئ بتجهيزات عسكرية تهدف لخوض معركة عسكرية في المنطقة.

إعلاميو الإخوان ونشطاؤهم وذبابهم الإلكتروني في مواقع التواصل لم يجدوا بداً من الكشف عن جزء من الأهداف الحقيقية وراء هذه التحركات، والتي عبر عنها نشطاؤهم بتبرير جديد، وهو إخراج قوات طارق صالح من التربة، الذي يقود ألوية حراس الجمهورية في الساحل الغربي، معتبرين أن هذه التحركات لمواجهة عملاء الإمارات في تعز ومحيطها، وقد جرى تسويق هذه التبريرات على نطاق واسع، لإقناع الرأي العام بوجود انشار عسكري لقوات طارق صالح في مدينة التربة.

غير أن المعلومات والمصادر الميدانية تنفي التبريرات الإخوانية، وتنفيها جملةً وتفصيلاً، إذ لا يوجد أي انتشار عسكري لقوات صالح في مدينة التربة، ولكن ثمة عدد من عائلات جنود طارق صالح المنتمين للمناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثي تقيم في مدينة التربة منذ ثلاثة أعوام بموجب تفاهمات مع إدارة أمن المديرية وقيادة اللواء 35 مدرع، لتنظيم عملية تسكين أسر الجنود في الساحل الغربي، والتي يخشى استهداف أفرادها لابتزاز الجنود والضباط الملتحقين بألوية طارق صالح –وبحسب المصادر– فقد جرى تنظيم عملية الإقامة تلك من قبل قيادة اللواء وإدارة الأمن التي قامت بحصر تلك العائلات ومناطق تواجدها واتخذت كافة الإجراءات الأمنية والضمانات المطلوبة لاستتباب الأمن والاستقرار في المنطقة.

ورغم انكشاف مبررات الإخوان الزائفة، وبطلان حججهم وادعاءاتهم التي ساقوها لفرض هيمنتهم على التربة ومحيطها من المواقع الاستراتيجية التابعة لمديريات الحجرية المحررة فإن اللواء 35 مدرع الذي يسيطر على تلك المواقع، والذي ما يزال بدون قائد حتى اللحظة، يجد نفسه في حالة لا يحسد عليها، بين تسليمها لمليشيات الحشد الشعبي، والقوات المتدثرة بالزي العسكري الرسمي لألوية محور تعز، الذي يتبعه اللواء من الناحية الإدارية، فضلاً عن إخضاع اللواء من الناحية العسكرية، بعد خروج موقع جبل صبران المسيطر نارياً على قيادة اللواء وعدد من مواقعه العسكرية، وبين الرفض الشعبي والمجتمعي المناهض لهذه التحركات، ورفض أفراد اللواء وأنصاره إنهاء تواجد اللواء 35 مدرع، أو تهميشه في المناطق التي حررها بدماء أفراده وتضحيات جنوده خلال السنوات المنصرمة.

خلفيات:

ولكي نفهم ما يدور في الحجرية، والأهداف الكامنة خلف هذا الصراع المختبئ خلف أنين مكتوم، لا بد من استعراض خلفيته السياسية والعسكرية خلال السنوات الماضية والتي بدأت مع اندلاع الانقلاب الحوثي على الدولة في اليمن، وما أعقبه من تطورات سيتم إيرادها بإيجاز.

في الأسابيع الأولى من الحرب، أعلن العميد الراحل عدنان الحمادي، ولاءه للسلطة الشرعية، ليكون بذلك أول قائدٍ عسكري يمني، يعلن وقوفه في صف الشرعية وتصديه لمليشيات الحوثي، وبتعيينه قائداً للواء 35 مدرع، قاد الحمادي معركة المواجهة مع مليشيات الحوثي بجزء من قوته البشرية، حيث كان غالبية اللواء 35 مدرع، يدين بالولاء لمليشيات الحوثي، وهو ما أسفر في النهاية عن سقوط قيادة اللواء 35 مدرع بيد المليشيات، وخروج الحمادي الذي كان مصاباً وتشتت أغلبية الكتيبة التي صمدت معه حتى اللحظات الأخيرة.

خلال فترة مرض العميد الحمادي تأسست معسكرات المتطوعين برعاية قادة سياسيين ووجهاء في تعز عملوا على جمع التبرعات وإنشاء معسكرات المتطوعين التي انضم إليها من بقي من أفراد الكتيبة الأخيرة في اللواء تباعاً، لينضم إليهم الحمادي ويقوم بترتيب الصفوف وتدريب المقاتلين وقيادة المواجهات العسكرية ضد المليشيات الحوثي انطلاقاً من الضباب، ومن ثم تأمين المناطق التي لم يصل إليها الحوثي ومنها الخط الرابط بين الضباب ومدينة التربة ومحيطها من قرى الحجرية.

خلال السنوات اللاحقة، ظل الحمادي يقاتل لتحرير المناطق المتاخمة للقرى المحررة، بما فيها مقر قيادة اللواء في المدينة، وفي الوقت الذي كان قادة ألوية آخرون يستلمون مخصصات ضخمة من دول التحالف كدعم لتشكيل ألوية وهمية وتخزين السلاح وتكديس الأموال، كان الحمادي الذي يتم تزويده بالفتات ونهب معظم مستحقاته المالية، يستقبل المتطوعين ويعزز من تواجد اللواء عسكرياً، الأمر الذي جعل اللواء 35 مدرع، يتفوق من حيث القوة البشرية، والاستعداد القتالي والتنظيم على تسعة ألوية عسكريّة وأمنية يسيطر عليها الإخوان المسلمون في تعز، ناهيك عن قيام اللواء 35 مدرع بتحرير ما نسبته 85% من المديريات المحررة في تعز، باستثناء مديريات الساحل الغربي والتي معظمها غير آهل بالسكان.

في أبريل عام 2018م، ظهرت برقية عسكرية ممهورة بوقيع وختم قيادة محور تعز، وفيها كشف للألوية التابعة للمحور، إضافة للوائين مستحدثين، هما اللواء الرابع مشاه جبلي، واللواء 145 دفاع ساحلي، دون أي قرار جمهوري بتشكيلهما أو بتعيين قيادات لهما، بعد أسابيع قليلة، تم إسقاط 2500 مقاتل من قوام اللواء 35 مدرع، وإلحاقهم باللواء الرابع مشاه جبلي، وألوية أخرى، وبعد أسابيع أخرى، خرجت احتجاجات في مدينة التربة، لرفض تواجد معسكر تدريبي تابع للواء الرابع في أحد المعاهد التعليمية بعزلة الأصابح بمدينة التربة، ورغم الاحتجاجات على عسكرة الأرياف المحررة، أنشأ اللواء الرابع معسكراً آخر في منطقة الجاهلي، واستحدث نقاطاً أمنية موازية لحواجز التفتيش التابعة للواء 35 مدرع.

اشتد الخلاف بين قيادة اللواء 35 مدرع، ممثلة بالعميد عدنان الحمادي، وبين قيادة محور تعز ممثلةً باللواء خالد فاضل، والذي سعى للانتقام من اللواء 35 مدرع بطرق مختلفة، منها حجز نفقاته المالية، وخصم رواتب الأفراد، وسحب أكثر من 900 رقم عسكري من مقاتلين في جبهات اللواء، وقد تم خلال تلك الفترة شراء عدد من مسؤولي المواقع العسكرية التابعين للواء وحثهم على التمرد على قيادته، فضلاً عن نشر عدد من المجاميع المسلحة والأسلحة المتوسطة وتطويق اللواء ابتداءً من مديرية المسراخ، ونجد قسيم وليس انتهاءً بهيجة العبد والجاهلي، وكانت المعركة على وشك الوقوع.

خلال تلك الفترة، كان محافظ تعز، أمين أحمد محمود، قد أوفد لجان التحقيق، والتي تباطأت في الرفع بتقاريرها بسبب حسابات سياسية ومخاوف، وبعد اتضاح الصورة أخيراً، انعقد مؤتمر أبناء مديريات الحجرية وصبر، بعد تنسيق وجهود من أبناء الحجرية كان على رأسهم قائد مقاومة الحجرية، فؤاد الشدادي، والذي عبر بالقطع، رافضاً الاحتراب الأهلي في الحجرية وعسكرة المناطق المحررة، فيما كان المحافظ أمين محمود يجري اتصالاته وجهوده لتدارك الموقف، قبل أن تخرج مظاهرات حاشدة شارك فيها عشرات الآلاف من أبناء مديريات الحجرية وصبر، رفضوا فيها عسكرة المنطقة والاحتراب الأهلي، ونجاح أمين محمود في نزع فتيل الاقتتال بعد إقناع المنطقة العسكرية الرابعة بتوضيح موقفها في برقية رسمية لمحور تعز، ناهيك عن كشف العميد عدنان الحمادي لكافة الخطط العسكرية والتحركات التي قامت بها المجاميع المسلحة المحسوبة على الإخوان، فضلاً عن الجاهزية القتالية العالية للواء والتي كانت لتمكنه من حسم المعركة لصالحه فيما لو نشبت، وهي أمور بمجملها أفشلت مخطط الإخوان للحسم العسكري والاستيلاء على الحجرية بالقوة.

هنا، التجأ التجمع اليمني للإصلاح "الإخوان المسلمون"، إلى تكتيك آخر لحسم المعركة، إذ إن عدم انجرار الحمادي واللواء 35 مدرع، إلى مواجهة عسكرية، كانت تميل لمصلحة الحمادي، قد أفشل خطة إحراق شخصية عدنان الحمادي، واستصدار قرار إقالته الذي كان جاهزاً على مكتب الرئيس هادي، والذي أوقف من قبل نجله جلال وفقاً لما قاله الحمادي شخصياً، فضلاً عن الدور الذي لعبه المحافظ أمين محمود والذي نزع الشرعية كلياً عن ممارسات الإخوان، ووظف علاقاته وإمكاناته السياسية والمادية لنزع فتيل الاقتتال الأهلي بين أبناء الحجرية إضافة إلى مديريات صبر..

... يتبع