الدور الإماراتي من سد مأرب إلى عاصفة الحزم.. “اليمن” كقضية أمن قومي‬

تقارير - الاثنين 29 نوفمبر 2021 الساعة 05:21 م
‫صنعاء، نيوزيمن، تقرير خاص‬:

‫غداً الثلاثاء، الـ30 من نوفمبر، هو يوم “الشهيد” في دولة الإمارات العربية المتحدة، ولم تقدم العائلة الإماراتية دماءً في معركة أكثر من الذي قدمته في سبيل دعم “اليمن” لاستعادة دولته واستقراره في سياق “تأمين المنطقة العربية، اليمن السعودية والخليج” من الصراعات التي تجلبها “دولة الثورة الإسلامية الإيرانية التي تدفعها أوهام الصراع العقائدي والقومي ضد المنطق”.‬

‫رصيد وتضليل‬

‫وحين يتم مراجعة واستقراء المشاركة الإماراتية في التحالف العربي بقيادة السعودية لدعم الشرعية في اليمن والذي قاد العمل العسكري (عاصفة الحزم وإعادة الامل) ضد انقلاب المليشيات الحوثية، الذراع الإيرانية في اليمن، تبرز كمية وحجم المعلومات التضليلية التي بثها الإعلام التابع لحركات الإسلام السياسي (الإخوان المسلمين ومن خلفهم داعموهم الإقليميون (قطر) والحركات الإسلامية الشيعية كالحوثيين وحزب الله والحشد الشعبي في العراق وداعمهم الأول (إيران) حيث تطغى تلك المعلومات على الحقائق التي كانت وستظل تميز المشاركة الإماراتية في الوقوف مع اليمن من منطلقات مرتبطة بالقراءة الاستراتيجية لموقع اليمن الجيوسياسي وأهميته لمفهوم الأمن القومي العربي عموماً والخليجي والسعودي خصوصاً.‬

‫ورغم حملات التشويه المتعمدة والممنهجة التي ظهرت ضد الإمارات ومشاركتها في إطار التحالف العربي خصوصاً بعد طرد دولة قطر من التحالف عقب الأزمة الدبلوماسية بين السعودية والإمارات والبحرين ومصر من جهة، وقطر في الجهة المقابلة، حيث تبنت قطر وإعلامها وعلى رأسها قناة الجزيرة ومن خلفها وسائل إعلام الإخوان الموالين والممولين منها، وتبعها في ذلك وسائل الإعلام التركية وجناح الإخوان المدعوم والمستضاف لديها، وانتهاء بوسائل إعلام إيران وأذرعها العسكرية في المنطقة (مليشيات حزب الله في لبنان) (مليشيات الحوثي في اليمن) (مليشيات الحشد الشعبي في العراق) وأذرعها في سوريا تبنت كلها حملات إعلامية تستهدف الإمارات بدرجة رئيسية وتواجدها ضمن التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن، ومحاولة تشويه أسباب وأهداف وآليات عملها في هذا التحالف، وما قدمته من دعم عسكري وسياسي واقتصادي وتنموي لليمن ولحكومة الشرعية، وهو الدعم الذي تُوج بالمشاركة العسكرية البشرية والتضحية بدماء كوادرها العسكرية في المعركة ضد مليشيات الحوثي.‬

‫وخلافاً لتلك المغالطات الإعلامية التي لا تزال مستمرة حتى اليوم رغم المصالحة الخليجية، ورغم التقارب الإماراتي التركي، يمكن القول إن ثمة إجماعاً لدى الخبراء والمحللين أن الرؤية الإماراتية فيما يخص اليمن تنطلق من مفاهيم تتجاوز الأهداف التكتيكية من المشاركة ضمن التحالف باعتبارها إحدى دول الخليج المستهدف الأول من التوسع والنفوذ الإيراني، وتتعداها إلى رؤية استراتيجية متعلقة بالدفاع عن الأمن القومي العربي والخليجي ومخاطر نشر الفوضى وضرب أمن واستقرار دول المنطقة الخليجية خصوصاً والدول العربية عموماً، من خلال تمكين الحركات الدينية (حركات الإسلام السياسي السنية والشيعية التي يمثلها الإخوان والأذرع الشيعية المدعومة إيرانياً) من السيطرة على مقاليد الحكم في البلدان العربية وتنفيذ أجندات مرتبطة بمخططات دولية هدفها إعادة رسم مستقبل المنطقة جغرافياً واقتصادياً وأمنياً وفقاً ومفاهيم تخدم قوى إقليمية ودولية على حساب مصالح وأهداف الدول العربية.‬

‫ ‬‫من سد مارب إلى أزمة 2011م.. رؤية إماراتية لأهمية اليمن الأمنية

‫في ثمانينيات القرن الماضي انبرى الشيخ زايد بن سلطان رئيس الإمارات العربية المتحدة لتزعم مشروع دعم التنمية في شمال اليمن أو ما كان يعرف حينها بالجمهورية العربية اليمنية، من خلال إطلاق مشروع إعادة بناء سد مارب العظيم بدعم إماراتي، حيث تم افتتاحه في 21 ديسمبر 1986م من قبل الرئيس السابق علي عبدالله صالح، والرئيس الإماراتي الشيخ زايد بن سلطان وهو المشروع الذي ترافق مع بدء إنتاج النفط في شمال اليمن حينها ليمثل ذلك تحولاً اقتصادياً وتنموياً كبيراً بالنسبة للجمهورية العربية اليمنية.‬

‫الدعم الإماراتي الذي أطلقه الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الإمارات لشمال اليمن لم يكن مجرد مساعدات لدولة شقيقة تعاني من الفقر، بل كان عملية مدروسة ومشروعاً له أبعاده المتعلقة بالأمن القومي العربي، حيث كانت الجمهورية العربية اليمنية يومها بمثابة حائط صد في مشروع المواجهة العربية الخليجية للمشروع الشيوعي السوفييتي الذي كان يستهدف دول الخليج بدرجة رئيسية من خلال الدعم السوفييتي والتواجد العسكري في جنوب اليمن أو ما كان يعرف حينها بجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، حيث أسهم ذلك المشروع إلى جانب دعم إماراتي لمشاريع أخرى في شمال اليمن في تحقيق استقرار ونمو اقتصادي أفضل بكثير مقارنة بالوضع الاقتصادي المتردي في جنوب اليمن، خصوصاً مع حالة الانهيار والتفكك التي بدأت تلوح في مشروع الشيوعية ومركزها القيادي المتمثل في الاتحاد السوفييتي آنذاك.‬

‫وانطلاقاً من تلك الرؤية الإماراتية المرتكزة على مفهوم حماية الأمن القومي العربي عموماً والأمن الخليجي بدرجة رئيسية ظلت الإمارات تولي اليمن اهتماما خاصا في مسار دعمها الاقتصادي والتنموي والأمني منذ ما بعد قيام الجمهورية اليمنية وحتى العام 2011م الذي شهد التحول الأهم في المنطقة من خلال مشروع الفوضى الخلاقة التي دعيت بالربيع العربي الذي كانت اليمن واحدة من الدول التي استهدف المشروع إسقاط نظامها واستبداله بنظام جديد يدار من قبل حركات الإسلام السياسي التي منحت دعما غربيا تمثل في الدعم الأمريكي والبريطاني والأوروبي من جهة، والدعم الإقليمي الذي مثلته قطر وتركيا وإيران.‬

‫ومثلما قدمت الإمارات دعمها لجمهورية مصر العربية وجيشها في تجاوز الفوضى التي صنعها حكم الإخوان المسلمين لمصر بعد إسقاط نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك وتنحيه عن السلطة إدراكاً منها لأهمية مصر في حماية الأمن القومي العربي باعتبارها أكبر الدول العربية سكانا، وأكثرها أهمية جيوسياسية بإشرافها على قناة السويس وامتدادها الجغرافي في البحرين الأحمر والمتوسط، وثقلها العسكري والأمني، وريادتها السياسية والدبلوماسية من خلال احتضانها ورئاستها لجامعة الدول العربية، فقد انطلقت في دعمها لمشروع التحول في اليمن منذ اللحظات الأولى لوصول مشروع الفوضى الربيعية العام 2011م إليه.‬

‫ومع نشوب الأزمة السياسية في اليمن عام 2011م كانت الإمارات الحاضرة الأولى في مشروع السعي لمساعدة اليمن على تجاوز فوضى الربيع العربي والعمل على إحداث تحول ديمقراطي وانتقال سلمي للسلطة يحافظ على اليمن الدولة والإنسان، وذلك من خلال تزعمها لمشروع المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية التي كانت الإمارات أول دولة خليجية تشارك في صياغتها وتبنيها ودعمها، وهو موقف يفسره المحللون بأنه مرتبط برؤية الإمارات لأهمية اليمن في مسار الأمن القومي العربي والخليجي والسعودي على وجه الخصوص لا سيما في ظل التدخلات الدولية والإقليمية التي بدأت مشاريعها في استهداف الأمن القومي العربي تطل برأسها من خلال توسيع نفوذها في الدول العربية وبالذات في شبه الجزيرة العربية من لبنان وسوريا والعراق وفلسطين شمالاً إلى اليمن جنوباً عبر الأذرع السياسية والعسكرية المتمثلة في تنظيمات الإسلام السياسي والمليشيات المسلحة.‬

‫ذلك الدعم الإماراتي الخليجي كان سيكتب له النجاح في تجنيب ما وصلت إليه لو كانت السلطة التي تولت الحكم في اليمن عقب تسليم الرئيس السابق علي عبدالله صالح الحكم لها تعاملت مع مشروع التحول والانتقال الديمقراطي والسلس للسلطة بنظرة بعيدة عن تنفيذ الأجندات الخارجية التي ارتكزت على تدمير مقومات الدول التي وصلت القوى الدينية الإخوانية للحكم فيها، وهو ما ظهر بوضوح بعد أقل من عامين وتحديداً في سبتمبر من عام 2014م حين تمكنت مليشيات الحوثي، الذراع الإيرانية في اليمن، من الانقلاب على السلطة والسيطرة على العاصمة صنعاء وعلى مؤسسات الدولة بكامل عتادها العسكري والأمني والاقتصادي، وهو الانقلاب الذي لاحت مخاطره الكبيرة على الأمن القومي الخليجي والسعودي عبر تحويل اليمن إلى معسكر  للأجندة الإيرانية.‬

‫شهداء الإمارات لحماية الأمن العربي في اليمن‬

‫ومع إدراك السعودية لمخاطر تكون ذراع إيرانية مسلحة على حدودها تشبه حزب الله في لبنان وتزعمها التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن، كانت الإمارات العربية المتحدة سباقة للمشاركة في التحالف قيادة وتنسيقاً واسهاما عسكريا وأمنيا ولوجستيا واقتصاديا وتنمويا حيث تعد الإمارات الركيزة الثانية والأهم بعد السعودية ضمن هذا التحالف.‬

‫ولم تكن مشاركة الإمارات في هذا التحالف كغيرها مجرد مشاركة للمشاركة أو لمجاملة شقيقتها السعودية فقط، بل انطلقت هذه المشاركة من رؤية استراتيجية مرتبطة بالأهمية التي تمثلها اليمن للأمن الخليجي والسعودي بالدرجة الاولى وللأمن القومي العربي بشكل أشمل وأعم.‬

‫وحسب الخبراء والمراقبين فإن الإمارات جسدت رؤيتها السياسية لهذا المفهوم من خلال حجم ونوعية مشاركتها واسهامها في إطار التحالف العربي الذي امتد ليشمل المشاركة العسكرية المختلفة (الجوية والبحرية والبرية) والدعم اللوجستي، والدعم المقدم لبناء الجيش التابع للشرعية، والدعم الأمني والاستخباراتي، والدعم الاقتصادي والتنموي، ناهيك عن الدعم السياسي والدبلوماسي للشرعية اليمنية في مختلف المحافل الإقليمية والدولية.‬

‫ويجمع المحللون على أن مشاركة الإمارات ضمن التحالف العربي تميزت بأنها حملت على عاتقها مسؤولية دعم ومشاركة السعودية في قيادة التحالف سياسيا وعسكريا وإدارة المعركة الحربية ضد مليشيات الحوثي ونفوذ إيران في اليمن من خلال حجم التضحيات التي قدمتها من خلال دماء أبنائها المقاتلين الذين سقطوا شهداء في المعركة ضد مليشيات الحوثي في سبيل إعادة الشرعية إلى اليمن، أو من خلال نجاح الآليات والوسائل التي انتهجتها واتبعتها في دعم القوى الشعبية والوطنية اليمنية المقاومة للمليشيات الحوثية كما هو دعمها للقوى الجنوبية ممثلة بالمجلس الانتقالي الجنوبي وقوات المقاومة التابعة له التي خاضت معركة تحرير العاصمة عدن والمحافظات الجنوبية التي كانت المليشيات الحوثية قد سيطرت عليها، وصولا إلى دعمها للقوات المشتركة التي تضم (ألوية العمالقة وقوات المقاومة الوطنية حراس الجمهورية والمقاومة التهامية) التي نجحت في تحرير الساحل الغربي من باب المندب وصولا إلى بوابة ميناء الحديدة وهو النجاح الذي كان سيمثل اهم تحول في مسار المعركة ضد مليشيات الحوثية لو لم يتم إحباطه من خلال توقيع حكومة الشرعية لاتفاق ستوكهولم برعاية أممية، والذي قيد ومنع وأوقف استكمال عملية تحرير الحديدة من سيطرة المليشيات الحوثية.‬

‫وفي ذات الاتجاه فإن دور الإمارات تجلى أيضا بوضوح من خلال إسهامها ودعمها العسكري والأمني في مواجهة التنظيمات الإرهابية التي كانت قد استغلت الحرب للسيطرة على حضرموت وبعض المناطق في شبوة وأبين، حيث أسهمت الإمارات في قيادة ودعم ومساندة معركة دحر التنظيمات الإرهابية وإعادة سيطرة السلطات المحلية على هذه المناطق ومن ثم دعمها اقتصاديا وتنمويا، وهو ما ظهر واضحا في دعم المشاريع الاقتصادية والتنموية ومشاريع الإغاثة الإنسانية التي قدمت إماراتيا سواء عبر المساهمات المالية للبرامج الإغاثية الدولية، أو عبر المنح المالية التي قدمت خلال مؤتمرات الدعم الاقتصادية لليمن، أو من خلال مشاريع الهلال الأحمر الإماراتي.‬

‫الالتزام الإماراتي تجاه مفاهيم ورؤية حماية الأمن القومي العربي والخليجي من خلال دورها في اليمن كان ولا يزال يتجلى من خلال حرصها على الاستمرار في الحفاظ على إكمال واجبها العربي القومي في اليمن وحرصها على حماية الأمن القومي اليمني والسعودي خصوصاً، والخليجي والعربي عموماً، حتى بعد أن سحبت قواتها التي كانت مشاركة في إطار عمليات التحالف العربي في الجمهورية اليمنية خصوصاً بعد نجاح مشروعها في دعم مكونات مقاومة وطنية ومحلية في الحلول محل تواجدها العسكري والأمني في المناطق والمحافظات التي تم تحريرها من سيطرة المليشيات الحوثية.