كان يُفترض أن يشكل اللقاء الإعلامي الموسع لرئيس مجلس القيادة الرئاسي، الدكتور رشاد العليمي، مع وسائل الإعلام الرسمية والمحلية، محطة مختلفة في الخطاب السياسي اليمني، لا مجرد مناسبة لإعادة عرض المواقف المعروفة.
فاليمن اليوم يقف عند واحدة من أكثر مراحله تعقيداً، حرب مستمرة، واقتصاد يترنح، وعملة تتآكل، وخدمات تتراجع، ورواتب تتأخر، ومسار سياسي لا يزال يراوح بين الجمود ومحاولات البحث عن تسوية.
وفي مثل هذا السياق، لم يكن الجمهور ينتظر خطاباً بروتوكولياً أو رسائل سياسية عامة، بقدر ما كان ينتظر إجابات عن أسئلة عملية ومباشرة: ماذا بعد؟ وما الذي ستفعله السلطة خلال المرحلة المقبلة؟ وكيف ستتعامل مع الانهيار الاقتصادي وتدهور مستوى المعيشة؟ ومتى يمكن أن يشعر المواطن بوجود تحسن حقيقي في الخدمات والرواتب؟ وإلى أين يتجه المسار السياسي والعسكري؟ وهل يمتلك مجلس القيادة والحكومة أدوات فعلية للانتقال من إدارة الأزمة إلى صناعة الحل؟
من هنا تحديداً يمكن فهم حالة خيبة الأمل التي رافقت اللقاء لدى شريحة من المتابعين. فاللقاء لم يقدم - وفق ما ظهر من مخرجاته - اختراقاً سياسياً أو اقتصادياً واضحاً يتناسب مع حجم التوقعات التي سبقت ظهوره الإعلامي، ولم يضع أمام الرأي العام تفاصيل جديدة كافية بشأن المرحلة المقبلة.
لقد كان السؤال الذي ينتظر اليمنيون الإجابة عنه بسيطاً في صياغته، لكنه عميق في دلالته: ماذا سيتغير بعد هذا اللقاء؟
المشكلة لم تكن في الرسائل.. بل في غياب الجديد
لا يمكن القول إن اللقاء خلا من الرسائل السياسية. فقد جدد العليمي التأكيد على تماسك مؤسسات الدولة، والاستعداد لمواجهة جماعة الحوثي، مع إبقاء باب السلام مفتوحاً في حال التخلي عن السلاح والانخراط في مسار سياسي.
لكن الإشكالية تكمن في أن هذه الرسائل، رغم أهميتها السياسية، ليست جديدة على الخطاب الرسمي اليمني.
فمنذ سنوات، يتكرر الحديث عن استعادة الدولة، وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، ومواجهة التصعيد الحوثي، والتمسك بالسلام، ودعم المسار السياسي.
وبالتالي، فإن إعادة طرح هذه المواقف في لقاء كان يُنتظر منه أن يكون أكثر عمقاً لا تجيب بالضرورة عن السؤال الذي يشغل الشارع: ما الذي تغير في طريقة التعامل مع هذه الملفات؟
وهنا يظهر الفرق بين تأكيد الموقف السياسي وبين تقديم رؤية جديدة.
فالشارع اليمني لا يحتاج فقط إلى معرفة ما ترفضه السلطة وما تقبله، بل يريد أن يعرف كيف ستتحول هذه المواقف إلى سياسات، وكيف ستنتقل من مستوى الخطاب إلى مستوى التنفيذ.
من توصيف الأزمة إلى تقديم الحلول
ربما كانت المشكلة الأبرز أن اللقاء أعاد توصيف عدد من التحديات التي يعرفها المواطن اليمني جيداً، في وقت أصبح فيه المواطن يبحث عن أدوات تجاوزها.
فالمواطن يعرف أن الحوثيين يمثلون التهديد الأكبر لمسار الدولة والسلام، ويعرف أن الوضع الاقتصادي صعب، ويعرف أن الخدمات متدهورة، ويعرف أن الرواتب تواجه مشكلات، ويعرف أن العملة فقدت جزءاً كبيراً من قيمتها الشرائية.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: ماذا ستفعل السلطة حيال كل ذلك؟
ففي بلد يعيش أزمة بهذا الحجم، لم يعد كافياً القول إن الدولة تواجه تحديات كبيرة، لأن المواطن يريد أن يعرف كيف ستتم مواجهة هذه التحديات؟ وما هي الإجراءات التي ستُتخذ؟ وما هو الجدول الزمني المتوقع؟ ومن يتحمل مسؤولية التنفيذ والمساءلة؟
ولهذا، فإن أي خطاب سياسي لا ينتقل من مرحلة التشخيص إلى مرحلة تحديد الأدوات والخيارات سيظل ناقصاً، مهما كانت أهمية الرسائل التي يحملها.
المواطن كان ينتظر اقتصاداً أكثر من السياسة
ربما كان الجانب الاقتصادي الأكثر إلحاحاً في انتظار الجمهور. فالمواطن اليمني الذي يذهب إلى السوق ويجد أسعار السلع ترتفع، والذي ينتظر راتبه، والذي يواجه تكاليف الكهرباء والمياه والنقل والغذاء، لا ينظر إلى الأزمة من زاوية سياسية مجردة.
بالنسبة إليه الاقتصاد هو السياسة في صورتها اليومية.
ولهذا كان من الطبيعي أن يبحث المتابعون عن إجابات أكثر تحديداً حول مستقبل العملة، والرواتب، والإيرادات، وأسعار السلع، والدعم الخارجي، والإجراءات الحكومية، وإمكانية استعادة الاستقرار المالي والنقدي.
وكان السؤال الأهم: هل لدى مجلس القيادة والحكومة خطة واضحة وقابلة للتنفيذ لوقف التدهور الاقتصادي، أم أن المرحلة المقبلة ستستمر على قاعدة احتواء الانهيار بدلاً من معالجته؟
فالمواطن لا يريد أن يسمع فقط أن الوضع الاقتصادي صعب، فهو يعيش صعوبته كل يوم. ما يريده هو أن يعرف متى وكيف يمكن أن يبدأ التحسن؟
فجوة بين أسئلة الشارع وقدرة السلطة على الإجابة
كشف اللقاء أيضاً عن فجوة واضحة بين طبيعة الأسئلة التي يحملها الرأي العام وبين طبيعة الإجابات التي تقدمها السلطة.
المواطن يسأل عن الراتب والخدمات والأسعار.
والصحفي يسأل عن القرارات والسياسات.
والمتابع السياسي يسأل عن مستقبل مجلس القيادة وتوازناته الداخلية.
والقوى السياسية تسأل عن شكل المرحلة المقبلة وموقعها في التسوية.
والقوى العسكرية والأمنية تبحث عن مصير توحيد القرار العسكري والأمني.
أما المجتمع الدولي والإقليمي فيبحث عن مسار سياسي قابل للحياة، وعن سلطة قادرة على إنتاج موقف موحد.
وهذه الأسئلة المتعددة لا يمكن الإجابة عنها بخطاب واحد يقوم أساساً على تأكيد المواقف العامة.
فالمرحلة الحالية تحتاج إلى خطاب سياسي أكثر تفصيلاً، يشرح للرأي العام ليس فقط أين تقف السلطة؟ وإنما إلى أين تريد الوصول؟ وكيف ستصل، وبأي أدوات؟
"تماسك الدولة".. ماذا يعني للمواطن؟
من بين الرسائل التي تستحق التوقف عندها الحديث عن تماسك مؤسسات الدولة.
وهو خطاب مهم من الناحية السياسية، لكنه يطرح سؤالاً أكثر أهمية: كيف يمكن قياس هذا التماسك؟
هل يقاس بقدرة المؤسسات على إصدار البيانات؟ أم بقدرتها على اتخاذ القرارات وتنفيذها؟
هل يقاس بوجود المؤسسات شكلياً؟ أم بقدرتها على تقديم الخدمات وحماية الاقتصاد وتحسين حياة المواطنين؟
فالتماسك السياسي والإداري لا يكتمل بمجرد وجود مؤسسات رسمية، وإنما يظهر في قدرتها على العمل كمنظومة واحدة، وعلى اتخاذ القرار وتنفيذه، وعلى تحويل الدعم السياسي والاقتصادي الذي تحصل عليه إلى نتائج ملموسة.
ولهذا، فإن أفضل اختبار لأي حديث عن تماسك الدولة ليس الخطاب السياسي، وإنما أداء الدولة في الشارع.
السلام.. بين المبدأ وخريطة الطريق
كذلك، فإن إبقاء باب السلام مفتوحاً يمثل موقفاً سياسياً مهماً، لكن السلام في الحالة اليمنية لم يعد مجرد شعار يمكن تأكيده في البيانات.
السؤال الأكثر أهمية هو: ما شكل السلام الذي تريده السلطة؟ وما شروطه؟ وكيف يمكن الوصول إليه؟ وما الضمانات التي تمنع تحول التسوية إلى مجرد هدنة مؤقتة؟ وكيف ستتعامل الدولة مع ملف السلاح؟ وماذا عن مستقبل المؤسسات؟ وكيف ستُضمن مشاركة القوى السياسية والمجتمعية في أي تسوية قادمة؟
هذه الأسئلة هي التي تحدد طبيعة أي عملية سياسية، وليس مجرد إعلان الاستعداد للسلام.
فالسلام الذي ينتظره اليمنيون ليس فقط توقفاً لإطلاق النار، وإنما مساراً يؤدي إلى دولة مستقرة، ومؤسسات فاعلة، واقتصاد قابل للحياة، وتسوية سياسية تعالج جذور الصراع بدلاً من تأجيلها.
الملف الحوثي.. هل تكفي لغة الردع؟
في المقابل، فإن حديث العليمي لوسائل الإعلام عن الاستعداد لمواجهة الحوثيين، يحمل رسالة ردع سياسية وعسكرية، لكنه يثير بدوره أسئلة حول طبيعة المرحلة المقبلة.
هل نحن أمام انتقال إلى مرحلة جديدة من المواجهة؟ أم أن الرسالة تهدف إلى تحسين شروط التفاوض؟ أم أن السلطة تسعى إلى الجمع بين الضغط العسكري والمسار السياسي؟
وإذا كانت الدولة ترى أنها أصبحت أكثر قدرة وتماسكاً، فما هي طبيعة هذه القدرة؟ وهل انعكست على موازين القوة على الأرض؟ وهل هناك رؤية موحدة بين المكونات المختلفة داخل معسكر الحكومة؟
هذه الأسئلة لا تقل أهمية عن الرسالة نفسها، لأن الرأي العام لم يعد يكتفي بمعرفة أن المواجهة خيار قائم، بل يريد أن يفهم كيف ستدار هذه المواجهة، وما حدودها، وما أهدافها السياسية والعسكرية.
الإعلام.. من مناسبة إلى شراكة مستمرة
الجانب الإعلامي في اللقاء يستحق بدوره قراءة مختلفة.
فاستدعاء وسائل الإعلام المحلية والرسمية للحوار مع رأس السلطة يمكن أن يمثل خطوة إيجابية إذا تحول إلى تقليد سياسي وإعلامي مستمر.
اليمن بحاجة إلى تواصل أكثر انتظاماً بين القيادة السياسية والإعلام، وليس إلى لقاءات متباعدة تأتي غالباً بعد تراكم الأزمات.
فالصحافة ليست مجرد منصة لنقل تصريحات المسؤولين، وإنما أداة لطرح الأسئلة التي يطرحها المجتمع، وكشف مكامن الخلل، وقياس أداء السلطة، ونقل نبض الشارع إلى مراكز القرار.
ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية للقاء لن تكون في انعقاده فقط، بل في ما إذا كان سيؤسس لمرحلة جديدة من التواصل الإعلامي: لقاءات دورية، وأسئلة مباشرة، ومعلومات واضحة، ومساحة أكبر للنقد والمساءلة.
لماذا جاءت خيبة الأمل من اللقاء؟
لا ترتبط خيبة الأمل من لقاء رئيس مجلس القيادة الرئاسي، د. رشاد العليمي، بغياب "المفاجأة" السياسية، ولا بالتقليل من أهمية ظهوره أمام وسائل الإعلام المحلية والرسمية، بل بسقف التوقعات الذي فرضته طبيعة المرحلة وتعقيداتها.
ففي ظل أزمة اقتصادية متفاقمة، وتأخر الرواتب، وارتفاع الأسعار، وتراجع الخدمات، واستمرار الحرب والانقسام السياسي، كان الشارع ينتظر من اللقاء أكثر من إعادة توصيف الأزمات. كان ينتظر إجابات عملية حول ما الذي ستفعله السلطة؟ ومتى، وكيف؟
وهنا برز الفارق بين سؤالين أساسيين: ماذا نعرف عن الأزمة؟ وماذا سنفعل للخروج منها؟
فالسلطة تدرك حجم التحديات السياسية والاقتصادية والعسكرية، لكن المواطن يريد معرفة الإجراءات المرتقبة لمعالجة تدهور العملة والخدمات والرواتب، وإصلاح الاقتصاد، وتوحيد القرار، وتحسين أداء مؤسسات الدولة، ودفع المسار السياسي نحو السلام.
ومن هذه الزاوية، جاءت خيبة الأمل نتيجة بقاء كثير من الإجابات في إطار العموميات، في وقت أصبحت فيه الحاجة أكبر إلى خطط واضحة ومواعيد محددة ونتائج قابلة للقياس.
ومع ذلك، فإن الحكم النهائي على اللقاء لا ينبغي أن يتوقف عند التصريحات التي قيلت، بل عند ما سيأتي بعدها. فإذا تبعتها إجراءات اقتصادية، وتحسن في الخدمات، ومعالجة لملف الرواتب، وخطوات سياسية ومؤسسية واضحة، فإن اللقاء قد يكتسب أهميته بوصفه نقطة انطلاق.
أما إذا بقيت مخرجاته في حدود الخطاب، فسيُنظر إليه باعتباره حلقة أخرى في سلسلة طويلة من التصريحات التي لم تغير الواقع.
في المحصلة، اليمنيون لا ينتظرون خطاباً جديداً بقدر ما ينتظرون واقعاً جديداً. فهم لا يحتاجون إلى من يشرح لهم حجم الأزمة، لأنهم يعيشون تفاصيلها ويدفعون كلفتها يومياً، وإنما يريدون أن يعرفوا ما الذي ستفعله السلطة؟ ومتى ستفعله؟ وكيف ستقاس نتائجه؟
ولهذا، فإن السؤال الأهم بعد اللقاء ليس: ماذا قال الرئيس العليمي؟ بل: ماذا سيتغير فعلياً بعد ما قاله؟
فإذا تغيرت السياسات وتحسن الأداء وظهرت النتائج، سيكتسب اللقاء قيمته بأثر رجعي. أما إذا ظل الواقع على حاله، فستبقى الأسئلة الكبرى معلقة، وستظل خيبة الأمل قائمة في انتظار "الجديد".


>