د. علي النعيمي

د. علي النعيمي

تابعنى على

القمة العالمية للحكومات: منصة الإمارات لإعادة تعريف دور الدولة في زمن التحولات

منذ ساعة و 29 دقيقة

لم تعد القمة العالمية للحكومات مجرّد حدثٍ سنوي يُدرج في روزنامة المؤتمرات الدولية، بل تحوّلت، مع تراكم دوراتها، إلى مساحة فكرية وسياسية تُعاد فيها صياغة الأسئلة الكبرى المرتبطة بمستقبل الدولة، ووظيفة الحكومة، وحدود المسؤولية العامة في عالم سريع الاضطراب. ما يميّز هذه القمة، في جوهرها، أنها لا تُدار بمنطق الاستعراض، بل بمنطق البناء الهادئ لرؤية عالمية جديدة، تستند إلى التجربة، وتخاطب الواقع كما هو، لا كما نرغب أن يكون.

انعقدت القمة العالمية للحكومات بمشاركة غير مسبوقة من حيث التنوع والوزن النوعي. رؤساء دول وحكومات حاليون وسابقون، قيادات مؤسسات دولية كبرى، صانعو سياسات، رؤساء منظمات أممية، خبراء اقتصاد وتقنية، وقادة فكر من مختلف القارات. اللافت لم يكن عدد المشاركين فقط، بل مستوى القرار الذي يمثله كثيرون منهم، ما جعل النقاشات أقرب إلى مختبر سياسات عالمي، لا إلى منتدى أفكار نظرية.

هذا التنوّع عكس قناعة إماراتية راسخة بأن التحديات المعاصرة لا تُدار من زاوية واحدة، وأن الحلول الجدية تولد عند تقاطع السياسة بالاقتصاد، والتقنية بالمعرفة، والأمن بالتنمية.

تناولت القمة محاور تمس صميم مستقبل المجتمعات والدول. من التحوّل الرقمي والذكاء الاصطناعي، إلى أمن الغذاء والطاقة، ومن مستقبل التعليم وسوق العمل، إلى استدامة الموارد، والحوكمة الرشيدة، وإدارة الأزمات العالمية. لم يكن الطرح احتفالياً ولا إنشائياً، بل اتسم بالواقعية الصارمة. كيف يمكن للحكومات أن تبقى قادرة على الفعل في عالم تتسارع فيه الابتكارات وتتعقّد فيه المخاطر؟ وكيف يمكن تحويل التكنولوجيا من عامل إرباك إلى أداة تمكين إنساني؟

ما شدّ الانتباه هو الربط الواضح بين الكفاءة الحكومية والاستقرار الاجتماعي. الرسالة كانت واضحة: لا أمن بلا تنمية، ولا تنمية بلا إدارة رشيدة، ولا إدارة رشيدة بلا رؤية بعيدة المدى.

جاءت القمة في لحظة دولية دقيقة، تتقاطع فيها أزمات جيوسياسية واقتصادية ومناخية غير مسبوقة. عالم يعيش حالة إنهاك استراتيجي، وتراجع ثقة متزايد بين الشعوب والمؤسسات، وتآكل في قدرة النماذج التقليدية على الاستجابة. في هذا التوقيت تحديداً، بدا انعقاد القمة وكأنه دعوة صريحة لإعادة التفكير، لا لإدارة الأزمات فقط، بل لمنعها قبل أن تتفاقم.

الإمارات قرأت اللحظة جيداً. لم تنتظر انقشاع الضباب، بل اختارت أن تكون ساحة حوار مفتوح بينما لا يزال العالم يبحث عن بوصلة.

الرسالة التي حملتها القمة لم تكن خطاباً سياسياً مباشراً، بل ممارسة عملية لفكرة الشراكة الدولية المسؤولة. الإمارات تقول للعالم إن الاستقرار لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى بالثقة، وإن مستقبل الدول لا يُختزل في إدارة الحاضر، بل في الاستعداد للمستقبل. وهي تقول أيضاً إن الانفتاح على الآخر، مهما اختلف، ليس ضعفاً، بل شرطاً أساسياً للبقاء والتقدّم.

من خلال هذه القمة، قدّمت الإمارات نموذجاً لدولة واثقة من تجربتها، لا تدّعي الكمال، لكنها تشارك ما تعلّمته، وتستمع بقدر ما تتحدث. دولة تدرك أن العالم لا يحتاج مزيداً من الشعارات، بل إلى منصات عقلانية تُدار فيها الخلافات، وتُصاغ عبرها الحلول.

في المحصلة، إنجاز القمة العالمية للحكومات لا يُقاس بعدد الجلسات أو المتحدثين، بل بقدرتها المستمرة على إعادة تعريف دور الحكومة في زمن اللايقين. وهذا، في تقديري، هو جوهر الرسالة الإماراتية: أن تكون الدولة جزءاً من الحل، لا مراقباً للأزمات، وأن يُدار المستقبل بعقل مفتوح، لا بخوفٍ من التغيّرات المتسارعة، بل بإرادة سياسية ترى في التحوّل فرصة، لا تهديداً.

من صفحة الكاتب على إكس