د. صادق القاضي

د. صادق القاضي

تابعنى على

ماذا وراء استهداف إيران لدول الخليج؟!

منذ ساعة و 25 دقيقة

إذا أمكن تفَهّم قيام إيران بقصف قواعد أمريكية في دول الخليج. في خضم الحرب الدائرة.. ما الذي يبرر قيامها. بانتهاك سيادة هذه الدول، والعدوان عليها، من خلال قصف أهداف حيوية مدنية خاصة خالصة بها. مثل:

* مطارات مدنية دولية مثل مطار زايد الدولي (أبوظبي)، مطار دبي الدولي، ومطار الكويت الدولي.

* موانئ تجارية كما في الإمارات وعُمان.

* مراكز مالية مثل مركز دبي المالي العالمي.

 • فنادق سياحية (مثل فندق فيرمونت النخلة في دبي).

* محطات الكهرباء كما في الكويت..

* محطات التحلية خاصة في دول تعتمد عليها بنسبة %90 للشرب مثل الكويت والإمارات.

* منشآت الطاقة: النفط والغاز وحقول ومصافي تابعة لشركات عالمية مثل "أرامكو" السعودية، "قطر للطاقة"، وشركات النفط في الكويت والبحرين..

ما الذي يبرر لقيام إيران بهذه الاستهدافات العدوانية لأهداف مدنية حيوية كثيرة أخرى، لا علاقة لها بالحرب الراهنة عليها، والتي بذلت دول الخليج كل جهودها وإمكاناتها لتجنيبها إياها؟!

لا شيء في التقاليد السياسية الدولية، وأخلاق الجوار.. يبرر لهذه الاعتداءات والانتهاكات.. وإن كان لإيران وجهة نظر أخرى. ومبررات كثيرة بعضها تقليدي استراتيجي طويل الأمد، وبعضها تكتيكي يتعلق بالحرب الراهنة.

على المستوى الاستراتيجي. دول الخليج على رأسها السعودية. من وجهة النظر الإيرانية. ليست دولا محايدة، بل هي الخصم والعدو الأساسي في المنطقة، كما يؤكده صراع المحاور الإقليمية. منذ قيام الثورة الإسلامية في إيران. 1979. حيث تبنى نظام الملالي منذ البدء تجاه.دول الخليج. ما نعرفه وما تكشفه الخطابات والسياسات الإيرانية. من سياسة الخصومة الشاملة هذه.

ورغم شعاراتهم الشهيرة: الموت لأمريكا. الموت لإسرائيل. فإن خصومة ملالي طهران وعداوتهم لدول الخليج أكبر وأكثر بكثير من خصومتهم وعداوتهم لإسرائيل، وبالشكل الذي توضحه المقارنة. من حيث الكم والكيف. بين الهجمات التي شنتها إيران ضد إسرائيل. وبين تلك التي وجهتها لدول الخليج. منذ بداية هذه الحرب.

من حيث الكم. تؤكد الإحصاءات والتقديرات إلى أن هجمات إيران ضد دول الخليج والأردن. منذ بداية هذه الحرب  تفوق هجماتها ضد إسرائيل بنسبة تتجاوز 8 أضعاف من حيث عدد المقذوفات الإجمالي.!

من حيث الكيف: كانت الهجمات ضد إسرائيل "استعراضية" في أغلبها، ومركزة في موجات زمنية متباعدة، بينما اتسمت الهجمات ضد دول الخليج بكونها "استنزافية"، ومكثفة على مدار اليوم.

على المستوى التكتيكي. وحسب ما  تكشفه الحيثيات وبعض التصريحات الإيرانية ذات العلاقة.. لنظام طهران، في الحرب الراهنة. رؤية تكتيكية إقليمية ودولية فحواها:

* أن دول الخليج. كما سبقت الإشارة. ليست دولا محايدة. بل عدو أصيل. أكثر قريبا وخطورة من غيره. وقد توفرت الفرصة لضربه.

 • استهداف المؤسسات الخدمية الحيوية كالماء والكهرباء.. في دول الخليج. يثير الجبهة الداخلية في هذه الدول. مما يضغط على القيادات السياسية لتقديم أكبر قدر من التنازلات الممكنة.

 • ضرب البنية التحتية للسياحة والاستثمار، واستهداف مراكز التسوق والمدن الذكية: مثل "دبي" أو "نيوم" (كمشاريع مستقبلية) يهدف لضرب الاستثمار و"سمعة الاستقرار". في هذه الدول، وجعلها بيئة طاردة للاستثمار الحالي والمستقبلي.

* هذا علاوة عن ذريعة "الوجود الصهيوني، خاصة في الدول التي عقدت اتفاقيات التطبيع (اتفاقيات أبراهام)، وتخويف الدول التي تنوي أن تعقدها. وهذا من وجهة نظر إيران يجعل الاستهداف الشامل لهذه الدول مبررا.

والأهم هو محاولة جعل دول الخليج ورقة ضغط دولية، عبر تكتيك مرحلي يكشف أن طهران:

* لا تنظر إلى الأهداف المدنية في دول الخليج كأهداف "مدنية" أو "خاصة". بدول ذات سيادة، بل كأدوات ضغط ضمن صراع إقليمي وأطراف دولية.

* بعبارة أخرى: تدرك إيران التأثير العالمي الكبير لدول الخليج. من حيث الطاقة والاقتصاد.. وبالتالي تستهدف هذه الدول لدفعها للتحرك للضغط على المجتمع الدولي وأمريكا.

* تدرك أن القوة الناعمة للدول الخليجية (السياحة، الموانئ، المراكز المالية)  هي المحرك لسياساتها الخارجية التي تراها طهران معادية.

* ومن ثمّ تحاول تحويل أمن الطاقة الخليجي إلى "رهينة" لرفع الحرب والعقوبات عنها.  وإرسال رسالة للقوى الدولية بأن تكلفة محاصرة إيران ستكون انهيار الاقتصاد العالمي.

 • تهديد الكابلات البحرية للإنترنت. حيث تمر معظم حركة البيانات بين الشرق والغرب عبر الخليج وبحر العرب. التهديد بقطع هذه الكابلات يمثل هجوماً على "الأعصاب الرقمية" للعالم.

خلاصة القول: إيران لا تفرق بين "العسكري" و"المدني" عندما يتعلق الأمر بـ "توازن الرعب". هي ترى أن ضرب "فندق" في دبي أو "مصفاة" في عمان. يعادل سياسياً ضرب "قاعدة عسكرية"، لأن الأثر الاقتصادي والسياسي قد يكون أشد إيلاماً لصانع القرار الإقليمي والدولي.

لكن هذه السياسة التكتيكية التي تتبناها طهران. هي في الأخير. سياسة انتحارية غبية، أشبه ما تكون بمغامرة شمشون الجبار: "عليّ وعلى أعدائي". إما أن تقوم دول الخليج بالضغط على أمريكا لوقف الحرب، أو ليذهب الجميع إلى الجحيم.!