الموجز

عبدالستار سيف الشميريعبدالستار سيف الشميري

اليمن.. وحقول الحروب الجديدة

مقالات

2020-05-20 22:36:21

لا تزال الحرب في اليمن تفتح حقولاً جديدة في اتجاهات مختلفة، لقد أصبحت زاد الساسة والجماعات الدينية والمتنفذين، منها ينتفعون ويتاجرون.

الحرب، أي حرب، تجعل الأطراف المتحاربة على حافة وجودهم، ووجود دولهم وأُممهم، وقدرتهم على دفع الآخرين إلى الهاوية.

إنها تجربة قاسية للحياة وسط شعور داهم باحتمال عدم الوجود في اللحظة التالية.. صراع في اللا شيء وتضحية بالبسطاء.

تحتفي كل الأطراف بقتلاها وتعطيهم وسام الشهادة بعد أن تكون قد قادتهم إلى الخديعة والموت..

تسحق الحروب الشعوب، وتغير معالم المكان والوجدان، وتضرب العمق الإنساني في الشعب وتصهره بروح التعصب والكراهية، عند الغوص في ماهية الحرب ليست هناك حرب عادلة يخوضها طرف ضد الآخر، لأن الأطراف مع طول الحرب تتماهى في تضييع روح القضية.

صحيح أن الحوثي في اليمن هو المعتدي وهو أس أسباب الحرب، لكن باقي الأطراف لم تكن مثالا في حربها أيضا، وتشابكت معركة تخليص البلاد من الحوثي بجماعات توازيه ظلما واستبداداً، أو متنفذين يصارعون لأجل حروبهم ومكاسبهم الخاصة.

وهنا لب المشكلة حين يتساوى الظالم والمظلوم وتغيب للمحق قضيته العادلة عندما يخوض فيما خاض به خصمه.

إنه نوع من عدمية الحرب والتضحية لأجل هدف غير شريف، ربما وجد البعض في تاريخ حروب الشعوب ضرورةً للدفاع عن دولة أو مبدأ ما، ربما يراها آخرون دليلًا على جنون الإنسان واستعداده لتعريض وجوده ووجود عدوه للخطر، لا سيما عند اختلاط الأوراق.

في كل الأحوال، تسحق الحروب الشعوب، وتدمى حيواتهم، ولا يستطيعون التعبير عن مخاوفهم تلك، وإذا عبروا عن رفضهم، يلامون على ذلك ويُعتبر خوفهم ضعفًا في الإيمان بطرفهم في الحرب، وأن أحلامهم أنانيةً لا تعبر عن الأمة الجامعة.

تعيد الحرب تشكيل كل شيء في حياة الناس، تخلق عالمها الخاص وهي موجودة، حين تستمر لفترات طويلة.

تطور الشعوب آليات للحياة الطويلة وسط الخطر الداهم، تتغير طريقتهم في الأكل والشرب والسكن والزواج، تتغير تعريفاتهم لأنفسهم ولمعاني حياتهم، تتغير خططهم الطويلة للتحقُّق إلى خطط قصيرة للنجاة.

وحين تضع الحرب أوزارها، يكون عليهم أن يكتشفوا أنفسهم من جديد ويخلقوا حياتهم مرةً أخرى، حياة جديدة غير مهجوسة بالفناء.

الحروب العالمية دمرت امبراطوريات ظلت سائدة لقرون عديدة، وظهرت دول قوية جديدة.

تغير العالم في نظر البشر بعد الحرب، انهزمت أفكار وأيديولوجيات وتمكنت أخرى من فرض نفسها كمبادئ للعالم الجديد.

وكثيرًا ما يبدو تاريخ العالم في نظر من يتتبعه كحروب متواصلة، تعيد كل مرة خلق عالم جديد وسحق آخر.

تفخر الدولة بحروبها الناجحة، وتخلق حروبها المهزومة جرحًا نرجسيًّا عند مواطنيها، لقد هُزموا ويحاولون التعافي من هذه الهزيمة.

تتوالد الحرب في اليمن كالبكتريا وفيروس كورونا، وكل يوم تفتح جبهة وتبرز مشكلة، ولا أفق لحلول قريبة، في ظل نخبة ماتت وتم تشييع جثمانها وقيادة شريكة في كل الدمار ومنتفعة منه.

وعند تأمل المشهد اليمني نصل ببساطة أننا أمام عشر سنوات قادمة من الحرب والصراع على أفضل الأحوال.

كتبت قبل أربعة أعوام ذلك وسخر مني البعض واليوم ندلف إلى السنة السادسة بحروب أوسع وصراع أعمق، كيف يمكن أن نسهم جميعا في فك هذا الاشتباك؟

إنه سؤال وجودي مُلح لا بد أن يطرح ونبدأ في التفكير من الخروج من هذا المأزق الرهيب.. والحلول دائما تبدأ بعملية عصف للأفكار لتأخذ طريقها لنضال ما أو فعل ما.. وهذا هو ما بأيدينا وما هو متاح.

-->