د. فاروق ثابت

د. فاروق ثابت

لصوص الدولة وتجارتي الفاشلة!

الخميس 02 سبتمبر 2021 الساعة 04:58 م

حينما أوكل لي جدي مهمة "تاجر"، كأول عمل في حياتي قمت به هو بيع "شيكليت" متجول، كنت حينها صغيرا جدا قبل دراستي في الصف الأول الابتدائي، وكنت أعيش بمعية جدي وجدتي -رحمهما الله- في إحدى قرى شمالي تعز وكان أبي يعمل في صنعاء.. 

"شيكليت، شيكليت شيكليت"، كنت أسيح في زغاطيط القرية وأماكن تجمع ولعب الأطفال وأمام المنازل وبيدي كيس "الشيكليت" أبيع بالحبة بمبلغ زهيد..

استمررت لأيام وكنت أعود آخر النهار لمحاسبة جدي، أُخرج كل ما لدي من نقود فيحسبها الجد ويأخذ المكسب ثم يعطيني قيمة كيس "شيكليت" جديد لبيعه في اليوم التالي وهكذا، مع الإشارة أن بعض الأحايين أعود بجزء من الشيكليت متبقية ربع أو نصف الكيس لم يبع بعد..

في إحدى الأيام بعت الكيس كاملا لأحد الأطفال هو وإخوته، وقبل أن أغادر أشار علي هذا الطفل بأن أبيع "لبان"، مقدما لي عرضا مغريا بأنه وإخوته سيشترون مني، قلت له: "من وين الفلوس"، قال بقيمة الكيس "الشيكليت" الذي اشتريناه منك، فكرت وارتأيت أن الأمر جيد من حيث إني سأعود البيت بمكسبين، مكسب كيس الشيكليت ومكسب اللبان..

اشتريت "لبان" وبعت لهم جزءا منه مقايضة ما لديهم من مال، وأخذوا بقية اللبان على أن قيمته "سلف لا بكرة" دين للغد.. 

عدت لجدي في ذلك اليوم بدون "شيكليت" متبقٍ، وبدون قيمة البيع سوى مبلغ لا يغطي نصف رأس مال الكيس"الشيكليت".. قال "وين بيس الشيكليت"؟ 

أنا: بعتهن واشتريت "لبان". 

الجد: وين قيمة اللبان طيب، ومن اللي سمح لك تشتري "لبان"؟

أنا: بعته سلف لأولاد فلان -مش داري أسماءهم!

صاح الجد، فوبخني وعاقبني ثم قرر أن أتوقف عن التجارة منذ ذلك اليوم، وكان قرارا صائبا. 

وقد سجلت في ذاكرته أنني تاجر ليس حاذقاً. 

كانت براءة الأطفال حينها وصغر سني تبرر ما حصل لي.

الآن تجد ناس مسبعين مربعين جابوا الدنيا وخبروا الحياة، قفز بهم الحظ ليكونوا مسؤولين لشعب، فاشلين إدارياً وحاذقين تجارياً في تناقض عجيب، أغبياء وتافهين في مناصبهم وناجحين ببراعة في الاستثمار وشراء الشقق والعقارات داخلياً في صنعاء وعدن وتعز ومارب أو خارجياً في القاهرة وكوالالمبور واسطنبول وعمان. 

أما أنا فالحمدلله، فمن حسن حظي أني لست مسؤول دولة، ولا أنا تاجر.