رسائل وتحركات استراتيجية.. طارق صالح يعزز الجاهزية ويقود معركة الحسم
السياسية - Monday 23 March 2026 الساعة 11:13 pm
المخا، نيوزيمن، خاص:
برزت تحركات عضو مجلس القيادة الرئاسي وقائد المقاومة الوطنية رئيس مكتبها السياسي الفريق أول ركن طارق صالح خلال الأيام الماضية في جبهات الساحل الغربي كإشارات سياسية وعسكرية مركبة، تعكس انتقالًا مدروسًا من مرحلة التثبيت إلى مرحلة التحضير للحسم، في سياق إقليمي مضطرب وتوازنات داخلية معقدة.
فهذه التحركات، التي جاءت عقب جولة خارجية شملت السعودية والإمارات، لا يمكن فصلها عن إعادة ترتيب الأولويات على المستويين العسكري والسياسي، ولا عن محاولة بناء زخم ميداني وشعبي متزامن يدفع باتجاه استعادة المبادرة في الصراع.
وشكّلت عطلة العيد، في هذا الإطار، منصة زمنية وسياسية لإعادة وصل ما انقطع بين القيادة والميدان من جهة، وبين القيادة والمجتمع من جهة أخرى. فبدل أن تكون فترة هدوء، تحولت إلى محطة لإعادة تأكيد البوصلة الاستراتيجية نحو استعادة الدولة، وإيصال رسالة مفادها أن المعركة لم تدخل طور الجمود، بل تتجه نحو إعادة التموضع استعدادًا لمرحلة مختلفة.
إدارة المعركة من الميدان
فور عودته من المملكة العربية السعودية، دشّن الفريق أول ركن طارق صالح سلسلة لقاءات عسكرية موسعة مع قادة الألوية والوحدات، واضعًا الجاهزية القتالية والانضباط في صدارة النقاش، وهو ما يعكس إدراكًا بأن أي تحول في مسار الصراع يبدأ من إعادة بناء الكفاءة القتالية وتوحيد القرار الميداني. هذه الاجتماعات لم تقتصر على التقييم، بل امتدت إلى مناقشة ترتيبات المرحلة المقبلة، بما يشير إلى أن التحركات الحالية ليست مجرد متابعة دورية، بل جزء من تخطيط أوسع لمرحلة قد تحمل تصعيدًا نوعيًا.
وخلال لقاءات المعايدة في محوري الحديدة والبرح، أعاد التأكيد على أهمية الانضباط المؤسسي، وتكامل الأداء بين الوحدات، واستمرار برامج التدريب، في محاولة لرفع الجاهزية من مستوى “الاستعداد الدفاعي” إلى “الاستعداد العملياتي المرن”، القادر على التعامل مع سيناريوهات متعددة، سواء دفاعية أو هجومية.
هذا التوجه يعكس قناعة بأن المعركة لم تعد تُدار فقط على خطوط التماس، بل في كيفية إدارة الموارد البشرية والعسكرية، وبناء منظومة قادرة على الاستجابة السريعة لأي متغير، خاصة في ظل تصاعد التهديدات المرتبطة بالمليشيا الحوثية المدعومة من إيران.
وفي موازاة التحرك العسكري، حملت مشاركة طارق صالح المواطنين صلاة العيد في المخا دلالات تتجاوز بعدها الاجتماعي، لتأخذ طابعًا سياسيًا يعزز مفهوم “الشرعية القريبة من الناس”. فالمشهد الذي جمعه بالمصلين لم يكن مجرد تفاعل رمزي، بل رسالة ضمنية حول طبيعة القيادة التي تسعى للتموضع داخل المجتمع، لا فوقه.
وفي هذا السياق، يرى الكاتب عادل الهرش أن هذا الحضور "يمثل نموذجًا لقيادة تستمد مشروعيتها من الناس، وتجمع بين دورها السياسي ووجودها الميداني"، مؤكدًا أن القرب من المجتمع يعزز الثقة ويمنح المشروع الوطني زخمًا يتجاوز البعد العسكري.
ويذهب الكاتب الهرش إلى أبعد من ذلك، باعتبار أن هذا النوع من الحضور يندرج ضمن "معركة الوعي"، حيث يتم ترسيخ فكرة الدولة والجمهورية كقيمة يومية يعيشها المواطن، وليس كشعار سياسي مجرد، وهو ما يساهم في خلق حاضنة شعبية صلبة لأي تحرك عسكري مستقبلي.
جبهة دفاع إلى محور استراتيجي
على المستوى الميداني، تعكس الاجتماعات التي عقدها طارق صالح مع القيادات العسكرية تحولًا في طريقة النظر إلى جبهة الساحل الغربي، من كونها جبهة دفاعية إلى كونها محورًا استراتيجيًا فاعلًا في معادلة الصراع.
وفي هذا الإطار، يؤكد القيادي العسكري في المقاومة الوطنية أحمد غيلان أن هذه اللقاءات تحمل “رسائل تتجاوز الطابع التنظيمي، لتعكس جاهزية عالية ويقظة مستمرة”، مشيرًا إلى أن القوات في الساحل ليست في حالة انتظار، بل في حالة استعداد دائم للتعامل مع أي تصعيد.
ويضيف أن هذه الجبهة باتت تشكل أحد أعمدة الأمن الوطني، ليس فقط من حيث تموضعها الجغرافي، بل من حيث قدرتها على التأثير في موازين القوى، خاصة مع تراكم الخبرة القتالية وتطور الأداء العملياتي خلال السنوات الماضية.
كما يشير إلى أن الحديث عن تطوير أساليب العمل والتنسيق المشترك يعكس توجهًا نحو الانتقال من نمط العمليات التقليدية إلى نمط أكثر مرونة وتكاملًا، يتناسب مع طبيعة التحديات الجديدة، سواء على المستوى العسكري أو السياسي.
ولا يمكن فصل هذه التحركات عن البعد الإقليمي، حيث يكتسب الساحل الغربي أهمية خاصة لارتباطه المباشر بأمن البحر الأحمر والممرات البحرية الدولية، وعلى رأسها مضيق باب المندب.
في هذا السياق، تحمل رسائل الجاهزية التي خرجت بها الاجتماعات بعدين متكاملين: الأول داخلي، يهدف إلى طمأنة المواطنين وتعزيز الثقة بقدرة القوات على حماية المناطق المحررة، والثاني خارجي، يتمثل في توجيه رسالة ردع لأي محاولات لتهديد الملاحة أو استغلال الجبهة في صراعات إقليمية أوسع.
كما تعكس هذه التحركات استمرار التنسيق مع الحلفاء الإقليميين، في إطار شراكة تتجاوز الدعم العسكري إلى تقاطع المصالح في حماية أمن المنطقة، خاصة في ظل التهديدات المتزايدة المرتبطة بالمشروع الإيراني.
معركة متعددة المستويات
وتكشف تحركات الفريق أول ركن طارق صالح خلال عيد الفطر عن مقاربة شاملة لإدارة الصراع، تقوم على الدمج بين ثلاثة مسارات رئيسية: الجاهزية العسكرية، والتماسك الشعبي، والتنسيق السياسي والإقليمي. هذه المقاربة تعكس فهمًا بأن المعركة لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل صراع متعدد المستويات يشمل الوعي والهوية والاقتصاد والسياسة.
وبين مشهد صلاة العيد في المخا، واجتماعات الجبهات في الحديدة والبرح، يتشكل خطاب عملي يؤكد أن مرحلة "إدارة الصراع" قد تتحول تدريجيًا إلى مرحلة "إعادة تشكيله"، بما يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر حسمًا.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو تحركات الساحل الغربي أقرب إلى بناء أرضية لمرحلة جديدة، عنوانها الاستعداد لمعركة الخلاص، حيث لا تُقرأ هذه الخطوات كأنشطة ظرفية، بل كمؤشرات على مسار يتجه نحو إعادة رسم موازين القوة، ووضع استعادة صنعاء ضمن أفق أكثر اقترابًا من أي وقت مضى.
>
