تطييف الجامعات اليمنية.. المشروع الحوثي من التجهيل إلى صناعة التطرف
السياسية - منذ ساعة و 10 دقائق
صنعاء، نيوزيمن، خاص:
تواصل مليشيا الحوثي المدعومة من إيران تنفيذ مشروع واسع لإعادة تشكيل المنظومة التعليمية في مناطق سيطرتها، عبر تفكيك الهوية الوطنية للمناهج، وإخضاع الجامعات والمدارس لسلطة أيديولوجية مرتبطة بمفهوم "ولاية الفقيه" الإيراني، في مسار يقول أكاديميون إنه يستهدف إنتاج أجيال تدين بالولاء للجماعة بدلاً من الدولة.
ومنذ سيطرتها على صنعاء في العام 2015، لم تتعامل المليشيا مع المؤسسات التعليمية باعتبارها فضاءات مستقلة للعلم والمعرفة، بل بوصفها أدوات استراتيجية لإعادة هندسة المجتمع فكرياً وثقافياً، من خلال التغلغل داخل المدارس والجامعات، وتعديل المناهج، وإقصاء المواد المرتبطة بالدولة المدنية والأنظمة السياسية الحديثة، مقابل إحلال خطاب تعبوي وطائفي قائم على الاصطفاء السلالي وتقديس القيادة.
ويرى مراقبون أن الجماعة تنفذ عملية "تدمير ممنهج" للتعليم الأكاديمي، تستهدف ضرب البنية الفكرية للمجتمع اليمني على المدى الطويل، وتحويل المؤسسات التعليمية إلى حواضن أيديولوجية تخدم مشروعها السياسي والعسكري.
وفي أحدث حلقات هذا المسار، أقدمت مليشيا الحوثي على إلغاء عدد من المقررات الدراسية في جامعة صنعاء، في خطوة أثارت غضباً واسعاً داخل الأوساط الأكاديمية، وسط تحذيرات من خطورة العبث بالمناهج الجامعية وإخضاعها لرؤية طائفية مستوردة من النموذج الإيراني.
وقالت مصادر أكاديمية إن الجماعة ألغت مادتي "نظم السياسات المقارنة" و"النظام السياسي" في قسم العلوم السياسية بكلية التجارة، إلى جانب مادة "النظم السياسية" في كلية الشريعة والقانون، بذريعة تعارض تلك المواد مع مفهوم "ولاية الفقيه" الذي تتبناه الجماعة.
وبحسب المصادر، فإن القرار يعكس توجهاً متسارعاً نحو إفراغ التعليم الجامعي من مضامينه السياسية والفكرية الحديثة، خصوصاً تلك المرتبطة بالديمقراطية، والتعددية السياسية، ومفهوم الدولة الوطنية، واستبدالها بمفاهيم عقائدية تقوم على الطاعة المطلقة والولاء العقائدي للجماعة.
ويؤكد أكاديميون أن استهداف مقررات العلوم السياسية يحمل دلالات خطيرة، لأنه يضرب جوهر التعليم المدني الذي يقوم على فهم النظم السياسية المقارنة، وبناء وعي نقدي لدى الطلاب، ويحول الجامعة من مساحة للنقاش العلمي إلى مؤسسة مغلقة تخضع للتوجيه الفكري.
هوية جديدة
لا ينظر مختصون إلى هذه الإجراءات باعتبارها قرارات معزولة، بل كجزء من مشروع متكامل تعمل الجماعة على تنفيذه منذ سنوات لإعادة صياغة الهوية الثقافية والتعليمية في اليمن.
وخلال الفترة الماضية، أجرت المليشيا تعديلات واسعة على المناهج الدراسية في مراحل التعليم الأساسي والثانوي، شملت حذف مضامين وطنية وتاريخية، وإضافة مواد وشعارات مرتبطة بفكر الجماعة، إلى جانب تكريس خطاب ديني وطائفي يعزز مفاهيم الاصطفاء السلالي والحق الإلهي في الحكم.
كما عمدت إلى تغيير الأنشطة المدرسية والثقافية وربطها بمناسبات طائفية وشعارات ذات بعد تعبوي، في إطار سياسة تهدف إلى خلق بيئة تعليمية منغلقة تدور بالكامل في فلك المشروع الحوثي.
ويقول أكاديميون إن أخطر ما في هذه التغييرات أنها تستهدف الأطفال والطلاب في مراحل مبكرة، بما يسمح للجماعة ببناء جيل يتشبع بأفكارها منذ الصغر، ويعتبرها جزءاً طبيعياً من هويته الثقافية والسياسية.
إلى جانب تعديل المناهج، وسعت المليشيا من حضورها داخل الجامعات عبر فرض دورات فكرية وعسكرية على الأكاديميين والطلاب والموظفين، في خطوة يعتبرها مراقبون محاولة لإخضاع المؤسسات التعليمية بالكامل للهيمنة الأيديولوجية.
وكشفت مصادر أكاديمية في محافظة إب أن الجماعة فرضت خلال الفترة الأخيرة واجبات وأنشطة منزلية على أساتذة وموظفي الجامعات الحكومية والخاصة، ضمن برامج فكرية وطائفية إلزامية.
وأوضحت المصادر أن المئات من الأكاديميين والإداريين أُجبروا خلال العامين الماضيين على حضور دورات تعبئة فكرية وأخرى ذات طابع عسكري، بينما تقوم الجماعة بمتابعة مدى التزام المشاركين عبر تكليفهم بمهام وتقارير دورية لقياس مستوى التأثر بالمضامين الفكرية للدورات.
ويرى مراقبون أن هذه السياسات تعكس تحول الجامعات من مؤسسات أكاديمية مستقلة إلى أدوات تعبئة تستخدمها الجماعة لنشر خطابها العقائدي، وتجنيد الطلاب، وتعزيز الولاء السياسي والفكري لقيادتها.
تطييف وإقصاء الكفاءات
بالتوازي مع السيطرة الفكرية، عملت الجماعة على إحكام قبضتها الإدارية على المؤسسات التعليمية عبر تعيين موالين لها في المناصب القيادية داخل الجامعات والمدارس، وإقصاء أكاديميين وإداريين لا يتوافقون مع توجهاتها.
ويؤكد أكاديميون أن عدداً من الجامعات في مناطق سيطرة الحوثيين باتت تخضع لإدارة ذات طابع أمني وفكري، أكثر من كونها مؤسسات تعليمية، في ظل تدخل مباشر من قيادات الجماعة في القرارات الأكاديمية والمناهج والأنشطة الطلابية.
كما اتهمت المليشيا باستخدام المؤسسات التعليمية كمنصات للحشد العسكري، عبر تنظيم فعاليات تعبئة واستقطاب طلابي وإقامة معارض وأنشطة مرتبطة بالجبهات، إلى جانب الضغط على الطلاب للمشاركة في دورات ثقافية وعسكرية.
ويحذر خبراء تربويون من أن استمرار هذه السياسات سيؤدي إلى انهيار تدريجي للتعليم في اليمن، وإضعاف جودة المخرجات الأكاديمية، وتوسيع الفجوة المعرفية بين الطلاب اليمنيين ونظرائهم في العالم.
كما أن تسييس التعليم وتطييفه، بحسب مختصين، يهدد بإنتاج أجيال تعاني من الانغلاق الفكري وضعف مهارات التفكير النقدي، وهو ما ستكون له انعكاسات خطيرة على الاستقرار الاجتماعي والسياسي في المستقبل.
ويشير مراقبون إلى أن تحويل الجامعات والمدارس إلى أدوات أيديولوجية سيؤدي أيضاً إلى تسريع هجرة الكفاءات الأكاديمية، وتراجع الاعتراف بمستوى التعليم في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يهدد مستقبل آلاف الطلاب الباحثين عن فرص تعليم وعمل داخل اليمن وخارجه.
مقبرة الأجيال
ووصف الأكاديمي في جامعة عمران ملفي القميش واقع التعليم الخاضع لسيطرة الجماعة بأنه تحول إلى "مقبرة جماعية للأجيال"، محذراً من انهيار مؤسسي شامل يضرب التعليم المدرسي والجامعي على حد سواء.
وقال القميش، في منشور مطول على موقع فيسبوك، إن ما تشهده المؤسسات التعليمية لم يعد مجرد اختلالات إدارية أو مالية عابرة، بل عملية تآكل ممنهجة تستهدف أحد أهم أعمدة الدولة والمجتمع، مشيراً إلى أن المعلمين والأكاديميين يعيشون حالة "إذلال" نتيجة انقطاع المرتبات وغياب الحقوق، بينما تحولت الجامعات والمعاهد إلى مؤسسات شبه مشلولة بعد سحب موازناتها التشغيلية ومصادرة مواردها.
وأوضح أن معامل الجامعات باتت متهالكة، ومكتباتها خاوية، فيما يخرج آلاف الطلاب دون امتلاك الحد الأدنى من المهارات العلمية والمهنية، في انعكاس مباشر لتدهور البيئة التعليمية وتراجع جودة التعليم العالي.
واعتبر القميش أن فرض خطط دراسية موحدة على الجامعات ألغى استقلاليتها الأكاديمية وأضعف البحث العلمي، لتتحول مؤسسات التعليم العالي إلى نماذج متطابقة في الضعف والجمود، مؤكداً أن المخرجات الحالية للتعليم "كارثية"، في ظل تخرج طلاب لا يتقنون القراءة والكتابة أو لا يمتلكون القدرة على التكيف مع سوق العمل.
وأشار إلى أن المدارس والجامعات باتت تُهمَل لصالح الأنشطة الأيديولوجية والدورات الصيفية والبرامج التعبوية التي تستنزف الموارد المالية والبشرية، في وقت تحتاج فيه المؤسسات التعليمية إلى دعم عاجل لإنقاذ ما تبقى من العملية التعليمية في اليمن.
وفي ظل هذا الواقع، تتزايد الدعوات المحلية للتدخل من أجل حماية قطاع التعليم في اليمن من التسييس والتطييف، والعمل على ضمان استقلالية المؤسسات الأكاديمية ومنع استغلالها في الصراعات الأيديولوجية والعسكرية.
ويؤكد أكاديميون في جامعة صنعاء وجامعات يمنية حكومية أن إنقاذ التعليم بات ضرورة وطنية ملحة، لأن المعركة الحقيقية لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت معركة على وعي الأجيال ومستقبل الهوية اليمنية، في مواجهة مشروع يسعى، بحسب وصفهم، إلى إعادة تشكيل المجتمع من داخل المدارس والجامعات وفق رؤية طائفية مرتبطة بالنموذج الإيراني.
>
