عدن تختنق بالحر والرطوبة.. والحكومة تواصل إدارة أزمة الكهرباء بالمنح الإسعافية
الجنوب - منذ ساعة و 26 دقيقة
عدن، نيوزيمن، خاص:
في مشهد عكس حجم المأساة التي تعيشها العاصمة عدن، أدى عضوا مجلس القيادة الرئاسي عبدالله العليمي ومحمود الصبيحي، ورئيس الوزراء وزير الخارجية شائع الزنداني، صلاة عيد الأضحى في جامع الخير بمديرية خور مكسر، على خلاف ما جرت عليه العادة السنوية بإقامة الصلاة الرسمية في ملعب الحبيشي المفتوح مع المواطنين الذين يقاسون الحرارة والرطوبة الشديدة.
وبينما بدا المشهد للوهلة الأولى مجرد تغيير بروتوكولي، رأى فيه كثير من المواطنين انعكاسًا مباشرًا لحجم الانهيار الذي يضرب قطاع الكهرباء في المدينة، حيث دفعت درجات الحرارة المرتفعة والرطوبة الخانقة المسؤولين إلى البحث عن أماكن مغلقة ومكيّفة لأداء الصلاة، في وقت يُترك فيه ملايين السكان لمواجهة صيف قاسٍ تحت ظلام الانقطاعات الطويلة وانعدام الحلول الحكومية الجادة.
>> الإجهاد الحراري يهدد سكان عدن مع تفاقم أزمة الكهرباء ونفاد الوقود
فالمدينة الساحلية التي تعيش واحدة من أسوأ أزماتها الخدمية، باتت تغرق في ظلام شبه كامل مع ارتفاع ساعات انقطاع الكهرباء إلى ثماني ساعات مقابل ساعتين فقط من التشغيل، وسط تحذيرات صحية ومناخية متزايدة من ظاهرة "الإجهاد الحراري الرطب"، وهي ظروف مناخية خطيرة قد تؤدي إلى مضاعفات صحية قاتلة مع ارتفاع الحرارة والرطوبة في آن واحد.
ويعيش سكان عدن أوضاعًا معيشية خانقة مع تراجع القدرة التشغيلية لمحطات الكهرباء، واستمرار العجز الكبير بين حجم الطلب والإنتاج، في وقت تبدو فيه الحكومة عاجزة عن تقديم حلول استراتيجية حقيقية، مكتفية بإدارة الأزمة عبر المنح الإسعافية والدعم الخارجي المؤقت.
ويرى مراقبون أن أزمة الكهرباء في عدن لم تعد مجرد أزمة وقود أو أعطال فنية، بل تحولت إلى عنوان صارخ لفشل الإدارة الحكومية وغياب الرؤية بعيدة المدى لمعالجة واحدة من أكثر القضايا ارتباطًا بحياة المواطنين اليومية.
>> شروط "الخنبشي" تُهدد بنسف محاولات الحكومة لتحسين كهرباء عدن صيفاً
وفي تعليق يعكس حالة الإحباط الشعبي، قال الصحفي محمد المسبحي إن المواطنين كانوا ينتظرون دخول التوربين الثاني في محطة الرئيس باعتباره بارقة أمل للتخفيف من معاناة الصيف، غير أن “مجلس الثمانية ورئيس الحكومة عجزوا تمامًا عن توفير الوقود الخام اللازم لتشغيل المحطة”، مشيرًا إلى أن الفجوة بين الطلب والإنتاج تجاوزت 420 ميجاوات، وهو رقم يكشف حجم الانهيار الحقيقي في المنظومة الكهربائية.
وأضاف أن المدينة باتت تعيش على الحد الأدنى من الطاقة المتاحة، في ظل غياب أي حلول حقيقية قادرة على وقف الانهيار المتواصل.
ومع تصاعد الغضب الشعبي خلال الأيام الماضية، أعلنت المملكة العربية السعودية تقديم دعم عاجل للحكومة اليمنية بالمشتقات النفطية بقيمة 150 مليون دولار، لتغطية احتياجات تشغيل محطات الكهرباء في المحافظات اليمنية، في خطوة جاءت لتمنع انهيارًا أشمل للمنظومة الكهربائية، أكثر من كونها تمثل حلًا جذريًا للأزمة.
وقال سفير المملكة لدى اليمن المشرف على البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن محمد آل جابر إن الدعم يأتي بتوجيهات من القيادة السعودية بهدف التخفيف من معاناة اليمنيين في ظل ارتفاع درجات الحرارة، وضمان استقرار الخدمات الأساسية والأنشطة التجارية والخدمية.
غير أن هذا الدعم، رغم أهميته الإنسانية والإسعافية، أعاد طرح سؤال قديم متجدد حول استمرار اعتماد الحكومة اليمنية شبه الكامل على المساعدات والمنح الخارجية في تشغيل قطاع حيوي وأساسي كالكهرباء، دون أن تنجح طوال السنوات الماضية في بناء حلول مستدامة أو تطوير بنية إنتاجية مستقلة.
وسارعت الحكومة إلى الترحيب بالمنحة السعودية والإشادة بها، مؤكدة التزامها بضمان الاستفادة المثلى منها لتحسين الخدمات الأساسية، فيما اعتبر مراقبون أن بيانات "الترحيب والشكر" باتت تتكرر أكثر من أي خطط فعلية للإصلاح أو إعادة هيكلة القطاع المنهار.
وأشار الصحفي والكاتب أحمد سعيد كرامة إلى إن العاصمة عدن قد لا تستفيد بصورة مباشرة من المنحة بالشكل الذي يتوقعه المواطنون، موضحًا أن القدرة التوليدية لمحطات الديزل والمازوت في المدينة لا تتجاوز 126 ميجاوات تقريبًا، بينما تبلغ أحمال المدينة أكثر من 620 ميجاوات، وهو ما يجعل المشكلة أعمق من مجرد توفير وقود تقليدي.
>> نمو متسارع للمدن بالمناطق المحررة.. عن الوجه الآخر لأزمة الكهرباء
وأشار إلى أن أزمة عدن الحقيقية تتمثل في العجز الكبير بالقدرة التوليدية إلى جانب أزمة الوقود، مؤكدًا أن الحل الأكثر إلحاحًا يتمثل في توفير النفط الخام لتشغيل محطة “بترو مسيلة” بقدرة تصل إلى 230 ميجاوات، باعتبارها المخرج الوحيد لتقليص فجوة العجز الحالية.
ويعتقد محللون أن استمرار الحكومة في إدارة ملف الكهرباء بعقلية "المعالجة الإسعافية" ساهم في تفاقم الأزمة عامًا بعد آخر، حيث لم تشهد المدينة مشاريع استراتيجية كبرى قادرة على مواكبة النمو السكاني والطلب المتزايد على الطاقة، رغم مليارات الدولارات التي أُنفقت على القطاع خلال السنوات الماضية.
كما أن الاعتماد المزمن على الوقود المستورد والمنح الخارجية جعل قطاع الكهرباء رهينة للتقلبات السياسية والمالية، وأفقد الحكومة القدرة على بناء استقرار حقيقي للخدمة.
من جهته، أكد وزير الكهرباء والطاقة عدنان الكاف أن المنحة السعودية ستُخصص لتوفير الديزل والمازوت اللازمين لتشغيل محطات الكهرباء حتى نهاية عام 2026، مشيرًا إلى أنها ستساعد في رفع كفاءة المحطات وتقليل ساعات الانقطاع.
غير أن الشارع العدني، الذي يعيش صيفًا خانقًا وانهيارًا متواصلًا للخدمات، لم يعد ينظر إلى الوعود الحكومية بالكثير من التفاؤل، خصوصًا في ظل تكرار الأزمات ذاتها كل عام، دون أن تلوح في الأفق أي معالجات جذرية تنهي معاناة مدينة أصبحت الكهرباء فيها عنوانًا دائمًا للفشل الإداري والعجز الحكومي المزمن.
>> اعطال ونقص وقود.. تفاقم أزمة الكهرباء بعدن وسط تجاهل من "الرئاسي"
>
