إيران بعد التهدئة.. تهديد الطاقة والاتصالات كورقة تفاوض
العالم - منذ ساعة و 28 دقيقة
واشنطن، نيوزيمن، ترجمة:
في وقتٍ تتراجع فيه حدة المواجهة العسكرية المباشرة، تتصاعد حربٌ من نوع آخر في الخليج، عنوانها الضغط الاستراتيجي واختبار حدود النفوذ. فمع تمديد وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، تبدو المنطقة وكأنها دخلت مرحلة "هدوء متوتر"، تخفي خلفها سباقاً معقداً على أوراق القوة، وسط مخاوف من أن يتحول هذا الجمود إلى شرارة تصعيد جديدة في أي لحظة.
وكشف تحليل نشره منتدى الشرق الأوسط، أعده الكاتب الصحفي ماردو سوغوم، أن طهران لا تنظر إلى وقف إطلاق النار كخطوة نحو التهدئة بقدر ما تعتبره فرصة لإعادة التموضع واختبار أدوات ضغط جديدة، تشمل تهديد الملاحة الدولية والبنية التحتية الرقمية في الخليج.
ويوضح التحليل أن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تمديد وقف إطلاق النار في 21 أبريل 2026 يعكس حالة من الجمود الهش، حيث لا ترغب أي من واشنطن أو طهران في الانزلاق إلى حرب شاملة، لكنها في الوقت ذاته ترفض تقديم تنازلات جوهرية. ويعني ذلك أن الهدنة الحالية ليست مقدمة لسلام، بل مجرد إدارة مؤقتة للصراع.
ويشير الكاتب إلى أن كلا الطرفين يراهن على عامل الوقت؛ فالولايات المتحدة تسعى لاستنزاف إيران اقتصادياً وسياسياً، بينما تعتقد طهران أن الضغوط الداخلية الأمريكية وحساسية أسواق الطاقة العالمية قد تدفع واشنطن في النهاية إلى التراجع.
وبحسب التحليل، استقبلت الأوساط السياسية والعسكرية في إيران قرار التمديد باعتباره إنجازاً، حيث سارعت وسائل إعلام مقربة من النظام، مثل نور نيوز، إلى التأكيد على أن طهران نجحت في فرض معادلة جديدة للصراع، عبر استغلال موقعها الجغرافي في مضيق هرمز.
وتروج هذه الرواية لفكرة أن إيران استطاعت تحويل هذا الممر الحيوي إلى أداة ضغط فعالة، ليس فقط على الولايات المتحدة، بل على الاقتصاد العالمي بأسره، عبر ربط أمن الطاقة بمسار المواجهة السياسية والعسكرية.
وسلط التحليل الضوء على طبيعة التهديدات الإيرانية، التي لم تعد مقتصرة على تعطيل حركة ناقلات النفط، بل امتدت لتشمل البنية التحتية الرقمية. فقد أشارت وكالة تسنيم إلى أن مضيق هرمز يمثل نقطة اختناق ليس فقط للطاقة، بل أيضاً لكابلات الإنترنت البحرية التي تعتمد عليها دول الخليج.
هذا الطرح يرفع من مستوى المخاطر، إذ إن أي تصعيد قد يؤدي إلى اضطرابات واسعة في الاتصالات والخدمات الرقمية، إلى جانب التأثيرات المباشرة على صادرات النفط، خصوصاً في دول مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر.
ونقل التحليل عن وسائل إعلام مرتبطة بـالحرس الثوري الإيراني أن قرار تمديد وقف إطلاق النار جاء نتيجة ضغوط سياسية داخلية على إدارة ترامب، وليس نتيجة قوة تفاوضية أمريكية. وتؤكد هذه الرواية أن طهران لم تدخل في مفاوضات حقيقية بشأن التمديد، بل تركت خياراتها مفتوحة لمواصلة التصعيد. ويُستخدم هذا الخطاب لتعزيز صورة إيران كطرف قادر على فرض شروطه، في مقابل تصوير واشنطن كقوة مترددة تسعى لتجنب التصعيد.
ويرى الكاتب أن المشهد الحالي يعكس توازناً دقيقاً بين نوعين من القوة؛ فإيران تعتمد على موقعها الجغرافي وقدرتها على تهديد الملاحة، بينما تستند الولايات المتحدة إلى تفوقها العسكري وقدرتها على فرض حصار اقتصادي وبحري. لكن هذا التوازن لا يؤدي إلى حسم، بل يخلق حالة من "الشلل الاستراتيجي"، حيث يمتلك كل طرف ما يكفي لمنع الآخر من الانتصار، دون القدرة على فرض تسوية نهائية.
وتناول التحليل اتهامات متزايدة لإيران باتباع سياسة المماطلة، إذ يشير إلى أنها ربطت إعادة فتح مضيق هرمز بوقف الهجمات الإسرائيلية على حزب الله، لكنها لم تلتزم بذلك حتى بعد تحقق الشرط.
وفي المقابل، ردت واشنطن بفرض حصار بحري، معتبرة أن إيران لا يمكنها تقييد حركة الملاحة الدولية بينما تستفيد منها. ومنذ ذلك الحين، تستخدم طهران هذا الحصار كذريعة لرفض استئناف المحادثات، في نمط يصفه مراقبون بأنه "خلق الأزمة ثم الاعتراض على نتائجها".
يبرز التحليل أن إدارة دونالد ترامب تتجه نحو استراتيجية قائمة على الضغط الاقتصادي طويل الأمد، بدلاً من المواجهة العسكرية المباشرة. ويُعد الحصار البحري أحد أبرز أدوات هذه الاستراتيجية، التي تهدف إلى تقليص قدرة إيران على المناورة دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة.
غير أن الكاتب يطرح تساؤلات حول مدى فعالية هذا النهج، وما إذا كان كافياً لتحقيق أهداف واشنطن، أم أنه مجرد مرحلة انتقالية قد تسبق تصعيداً جديداً.
ويختتم التحليل بالتأكيد على أن المرحلة الحالية تتسم بدرجة عالية من الحساسية، حيث يختبر الطرفان حدود بعضهما البعض في ظل غياب الثقة. ومع أن الحرب الشاملة تبدو مستبعدة في الوقت الراهن، فإن أي خطأ في الحسابات – مثل استهداف مصالح أمريكية أو تعطيل واسع للملاحة – قد يدفع الأمور نحو تصعيد سريع.
وبين التهدئة الظاهرية والتوتر الكامن، تبقى المنطقة عالقة في معادلة معقدة بين لا سلام حقيقياً يلوح في الأفق، ولا حرب محسومة، بل صراع مفتوح على أدوات الضغط والنفوذ، قد يحدد مستقبل الاستقرار في الخليج خلال المرحلة المقبلة.
>
