24 أبريل.. ملحمة أمنية كسرت الإرهاب وأعادت الاستقرار لحضرموت بدعم إماراتي
السياسية - منذ 3 ساعات و دقيقتان
المكلا، نيوزيمن، خاص:
تحلّ الذكرى العاشرة لتحرير ساحل حضرموت من سيطرة تنظيم تنظيم القاعدة في جزيرة العرب في 24 أبريل 2016، كواحدة من أبرز المحطات المفصلية في تاريخ اليمن الحديث، بعد عملية عسكرية واسعة أعادت الأمن والاستقرار إلى مدينة المكلا وبقية مدن الساحل، بدعم مباشر من الإمارات العربية المتحدة ضمن إطار التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن، وبمشاركة قوات النخبة الحضرمية.
وتأتي هذه الذكرى في ظل استمرار التقييم الإقليمي والدولي لتجربة التحرير باعتبارها واحدة من أنجح العمليات في مواجهة التنظيمات الإرهابية في اليمن، سواء من حيث سرعة الإنجاز أو تقليل الخسائر أو إعادة تثبيت مؤسسات الدولة.
وفي أبريل 2015، استغل تنظيم القاعدة حالة الانهيار الأمني ليسيطر على المكلا، حيث فرض سيطرته الكاملة على المدينة، وحوّلها إلى مركز عمليات رئيسي. وخلال الأيام الأولى، نفذ التنظيم اقتحاماً للسجن المركزي وأطلق مئات السجناء، إلى جانب الاستيلاء على أموال ضخمة من مؤسسات الدولة، بينها البنك المركزي ومرافق خدمية وأمنية.
كما أنشأ التنظيم كيانات إدارية بديلة، وفرض نظاماً متشدداً، وجنّد آلاف العناصر، ما جعل المدينة تحت حكم فعلي للتنظيم لمدة عام كامل، قبل أن تبدأ ترتيبات التحرير.
من التخطيط إلى صناعة القرار العسكري
في شهادة موسعة حول تفاصيل عملية التحرير، يقدّم اللواء الركن فرج سالمين البحسني، أحد القادة الرئيسيين للعملية، رواية تكشف حجم التعقيد الذي سبق معركة استعادة المكلا، موضحاً أن العملية لم تكن قراراً لحظياً، بل نتاج تراكمات سياسية وأمنية وعسكرية وُضعت على طاولة التخطيط لفترة طويلة.
ويؤكد البحسني أن الشرارة الأولى للتخطيط جاءت في ظل انهيار الوضع الأمني في حضرموت، حيث تداخلت التحديات الميدانية مع الحاجة إلى تدخل منظم، مشيراً إلى أن العملية جاءت بتوجيهات من القيادة السياسية اليمنية، وبدعم مباشر من دول التحالف العربي، وفي مقدمتها الإمارات العربية المتحدة.
ويستعيد البحسني تفاصيل أول لقاء جمعه بقيادات إماراتية رفيعة، قائلاً إنه جرى في مدينة جدة، حيث طُرحت للمرة الأولى فكرة إنشاء قوة محلية منظمة قادرة على تنفيذ عملية تحرير شاملة، إلا أن تبايناً في الرؤى وتأثير التطورات الميدانية حينها أدى إلى تأجيل التنفيذ مؤقتاً.
ويضيف أن تلك المرحلة لم تكن توقفاً بقدر ما كانت إعادة صياغة للفكرة، إذ جرى العمل داخل غرف العمليات المشتركة على تطوير التصور العسكري، وربطه بتطورات الجبهات الأخرى في اليمن، بما يضمن جاهزية كاملة عند لحظة التنفيذ.
إعادة بناء القوة
بحسب البحسني، فإن نقطة التحول الحقيقية جاءت بعد نحو عام، حين تم الاتفاق على رؤية موحدة تقوم على تشكيل قوة عسكرية من أبناء حضرموت، تحمل هوية محلية وتنضبط بمهارات عسكرية احترافية، لتصبح لاحقاً نواة قوات النخبة الحضرمية.
وأوضح أن عملية البناء بدأت باستقطاب آلاف الشباب من مختلف مديريات حضرموت، وإلحاقهم بمعسكرات تدريب بعيدة عن أعين التنظيم، في مناطق صحراوية نائية، جرى تجهيزها بالكامل من حيث البنية التحتية والتسليح والتدريب، بدعم لوجستي مباشر من الإمارات.
وأشار إلى أن العملية لم تقتصر على التدريب العسكري فقط، بل شملت بناء الانضباط والسلوك القتالي، حيث شارك ضباط إماراتيون مختصون إلى جانب ضباط حضارم، في تحويل مجندين مدنيين إلى قوة منظمة خلال فترة زمنية قصيرة.
ويؤكد البحسني أن حجم الإقبال كان غير مسبوق، حيث تدفق آلاف الشباب للتجنيد، وتم التعامل معهم وفق آليات دقيقة للفرز والتأهيل، حتى تشكلت وحدات عسكرية قادرة على خوض معركة معقدة داخل بيئة حضرية شديدة الحساسية.
ومع توسع القوة، واجهت عملية الإعداد تحديات كبيرة مرتبطة بإدارة أعداد كبيرة من المجندين والعتاد العسكري، ما استدعى تشكيل لجان ميدانية في المديريات لإدارة عمليات التجنيد والتوزيع.
كما جرى التنسيق مع القيادات المحلية وشيوخ القبائل لضمان تأمين البيئة الداخلية، وقطع خطوط إمداد التنظيم، إضافة إلى إشراك المقاومة المحلية في مهام مساندة أثناء تنفيذ العملية.
ويشير البحسني إلى أن مرحلة الإعداد لم تكن عسكرية فقط، بل شملت أيضاً بناء شبكة دعم اجتماعي واسعة، ساهمت في خلق بيئة مواتية لانطلاق العملية دون مقاومة مجتمعية تُذكر.
انطلاق معركة التحرير
في منتصف ليلة 24 أبريل 2016، انطلقت عملية تحرير ساحل حضرموت بساعة الصفر، عبر هجوم منسق على ثلاثة محاور رئيسية، بإسناد جوي مكثف من التحالف العربي.
المحور الشرقي توجه نحو ميناء الضبة لتأمينه، بينما اتجه المحور الغربي نحو القصر الجمهوري ومطار الريان، في حين تقدم المحور الأوسط نحو عمق المدينة عبر مناطق جبلية شديدة التحصين.
وخلال الدقائق الأولى، تم استهداف مواقع التنظيم بضربات جوية دقيقة، أدت إلى انهيار مراكزه الدفاعية وإرباك كامل في صفوفه.
يتابع البحسني أن القوات واجهت مقاومة شرسة في مناطق استراتيجية مثل الأدواس وعبدالله غريب والعيون، حيث استخدم التنظيم الألغام والكمائن والأسلحة المتوسطة لعرقلة التقدم.
ورغم صعوبة التضاريس، واصلت قوات النخبة تقدمها بدعم جوي إضافي، ما أدى إلى السيطرة على مطار الريان قبل حلول الظلام، وهو ما شكّل نقطة انهيار رئيسية للتنظيم داخل المدينة.
ويضيف أن العملية انتهت خلال أقل من 48 ساعة، بإعلان تحرير ساحل حضرموت بالكامل، في واحدة من أسرع العمليات العسكرية ضد تنظيم القاعدة في المنطقة.
تثبيت الأمن وملاحقة الخلايا
ويشير البحسني إلى أن التحدي الحقيقي بدأ بعد التحرير، حيث حاولت خلايا التنظيم تنفيذ هجمات انتحارية وعمليات تخريب داخل المكلا، إلا أن الأجهزة الأمنية كانت في حالة جاهزية عالية وتمكنت من إحباط معظمها.
كما تم تنفيذ حملات أمنية واسعة شملت إغلاق منافذ مشبوهة، ومداهمة أوكار عناصر متشددة، وضبط كميات كبيرة من المتفجرات والأسلحة، ما ساهم في تثبيت الاستقرار تدريجياً.
وفي مناطق خارج المدينة، خصوصاً وادي المسيني، جرى تنفيذ عمليات عسكرية دقيقة بدعم من التحالف العربي، انتهت بتفكيك آخر معاقل التنظيم.
ويضيف اللواء فرج سالمين البحسني أن تحرير المكلا لم يكن مجرد انتصار عسكري، بل تحول استراتيجي في مسار الحرب على الإرهاب، مؤكداً أن نجاح العملية ارتكز على شراكة بين القوات المحلية والدعم الإقليمي، وعلى رأسه الإمارات، إضافة إلى إشراك المجتمع المحلي في صناعة الأمن.
وأوضح أن حضرموت اليوم تجني ثمار تلك المرحلة، عبر حالة استقرار أمني نسبي وإعادة بناء تدريجية للمؤسسات، ما يجعل تجربة تحرير الساحل واحدة من أبرز النماذج في مواجهة التنظيمات الإرهابية في المنطقة.
>
